الذين وصفوا خطاب امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الذي دعا فيه الى مقاطعة المحكمة الدولية من اجل لبنان، وعدم التعاون مع المحققين الدوليين، «بالخطير جداً»، كانوا في حقيقة الامر ينظرون بخوف الى تداعيات هذه الدعوة التي تحمل العديد من الالغام السياسية والوطنية والطائفية والمذهبية، وتأخذ لبنان واللبنانيين الى زمن مجهول المصير، لكنه بالتأكيد ليس مصيراً مشرقاً ولا مريحاً، بل انها – الدعوة – تحمل بذوراً حبلى بعوامل عدة، ابرزها عامل استحضار الفتنة، وارباك الدولة، وانقسام المؤسسات، وتحديداً الامنية منها، وادخال اليد الاجنبية الى العنق اللبناني، وتحويل لبنان الى دولة كرتونية، والادهى والاخطر من كل هذا فتح الطريق امام دعوات مضادة، اهمها الدعوة باتجاه الفدرالية او التقسيم، او اي شكل من اشكال الانعزال الاجتماعي والاداري والانساني، وربّ قائل، هل ان مجرد دعوة كتلك التي اطلقها السيد نصرالله تحمل كل هذه البذور التدميرية للكيان والصيغة، والعيش الواحد، والدولة، والسلم الاهلي، والجواب على مثل هذا السؤال، قدّمه بكل وضوح الشيخ عفيف النابلسي الذي فتح امام رجال الدين الشيعة، وربما رجال الدين السنّة المتعاطفين مع سوريا وحزب الله، الباب لحملة فتاوى مماثلة لفتواه التي حرّم فيها التعامل مع المحكمة الدولية ومع المحققين الدوليين وهذا يعني ان دعوة السيد نصرالله معطوفة على فتوى الشيخ النابلسي، وعلى تشجيع النائب علي عمّار جميع المسؤولين واللبنانيين على المقاطعة ورفض التعامل، متعهداً بحمايتهم في وجه اي كان، ستضع الاخوة الشيعة، في الدرجة الاولى، والمتعاطفين معهم في الدرجة الثانية، ممن يخدمون في الجيش والقوى الامنية والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وفي السلك الديبلوماسي، وفي اي مكان آخر، امام خيار وحيد، هو عدم تنفيذ اي امر يخالف دعوة السيد نصرالله، وفتوى التحريم، ولنتصوّر عندها مأزق العصيان الامني والعسكري والمدني والسياسي وكرة الثلج المدمّرة التي ستكبر مع اتساع حجم الامتثال للرغبات والفتاوى السياسية والدينية.
لو ان السيد حسن نصرالله، حصر امر المقاطعة وعدم التعاون بحزب الله،ولم يعمم دعوته على جميع المسؤولين والمواطنين، لكانت التداعيات في حجم الاحتواء والحوار بصددها، ولكن تعميمها والحاقها بفتوى تحريم، ومن ثم وضع جميع من يلتزم وينفذ تحت جناح حزب الله وحمايته، فان التداعيات عندها تصبح كبيرة وخطيرة، ومحاولات التخفيف من خطورتها غير واقعية ولا تساعد على القيام بما يلزم لمواجهتها.
***
هناك فريق سياسي كبير يتمتع بشعبية مؤثرة ومحترمة، هو فريق 14 اذار، يرفض دعوة السيد حسن نصرالله،واعلن ويعلن التزامه بالمحكمة الدولية التي يعوّل عليها لمعرفة من قتل شهداءه.
وهناك فريق كبير ايضاً ويتمتع كذلك بشعبية محترمة، اعلن تأييده واستعداده للالتزام بمقاطعة ليس المحكمة الدولية وحسب، بل ايضاً مجلس الامن والمجتمع الدولي وجميع الدول التي تتعاون وتؤيد المحكمة، وهذا الفريق هو فريق 8 اذار.
وهناك فريق وسطي، وجد ذاته حجراً بين شاقوفين، ويعيش في هذه الفترة، حالاً من الاحراج الشديد فهو لا يريد ان يعزل ذاته عن المجتمع الدولي، ويرى ان المحكمة الدولية التي قامت تحت الفصل السابع هي امر واقع لا يمكن تجاهله او تجاوزه او الوقوف في وجهه، ولكنه في الوقت ذاته يحرص على تفهم هواجس حزب الله ويريد أن تمرّ الامور في اقل ما يمكن من خسائر، وعلى رأس هذا الفريق رئىس المجلس نبيه بري ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، واذا كان بري عند الحشرة والامتحان، قادراً على الامساك بكتلته النيابية، الا ان جنبلاط لا يملك هذه القدرة، وكان لافتاً امس الاول تصريح النائب الاشتراكي علاء الدين ترّو الذي يؤكد فيه أن «لا احد يستطيع رفض المحكمة الدولية».
أما الفريق الرابع فهو فريق الدولة، وعلى رأسه الرئيس العماد ميشال سليمان الذي يحاول بما يملك من حكمة ووطنية ومنطق وشعور بالمسؤولية، ان يجنّب البلاد الهزّات المدمّرة التي تنتج من تمسك البعض بسقوف عالية، غير عابىء بالمصلحة الوطنية وفي شكل خاص مصلحة الدولة والناس، وهو لذلك يجهد للتوفيق بين علاقات لبنان بالمجتمع الدولي وبالقرارات الدولية التي اقسم على احترامها، وبين مصلحة لبنان ومصلحة العيش المشترك الذي نصّ عليه الدستور، والرئيس سليمان حريص عليه، حرصه على سلامة كل لبناني.
في نهاية الأمر، لا يمكن لأي فريق في لبنان، أن يفرض رأيه على غيره، بعيداً عن الاقناع والحوار والمنطق، والاعتماد على القوة، حسبما خبر اللبنانيون، ودفعوا غالياً ثمن هذه الخبرة، قد يفيد في مرحلة زمنية محدودة تبقى مهما طالت، ولذلك فان البديل عن خطاب الشتيمة والتهديد، هو الكلمة الطيبة السواء، والبديل عن الخلاف هو الحوار وصولاً الى الاختلاف، وهذا حق مشروع، والبديل عن الفتنة والدم والخراب، هو السلام والاستقرار والبناء.
اذا كانت القيادات السياسية، او بعضها، لا تستوعب هذه المعادلات او لا تريدها، فرجاء ان تكفّ عن التكاذب، وعن التغني بالوحدة والشراكة والعيش الواحد، لأن ما يجري على الارض هو نقيض جميع هذه الشعارات، ولنذهب كجماعة متحضّرة عاقلة ونفتش عن طريقة اخرى وصيغة جديدة تؤمّن ديمومة بقاء جميع الاطراف على هذه الارض الطيبة ليعيش الجميع بكرامة وحرية وسلام لمن يرغب.
قال البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير في حديث تلفزيوني، جملة تعكس واقعاً حقيقياً مؤلماً، ليس للمسيحيين وحسب، بل يتشارك فيه فريق كبير من غير المسيحيين:
«ان مساحة الحرية تضيق على المسيحيين».