#adsense

بكركي…صخرة الخلاص

حجم الخط

بكركي…صخرة الخلاص
إيلي ريمون مشنتف

 

ظنّ بعضهم وهم من داخل البطانة المارونية٬ إذا شاؤوا ذلك ان الأسد الرابض في عرين بكركي٬ قد شاخ لذلك ودّوا لو يتقاعد جبراً أو اختياراً.

لجأوا إلى مئة ذريعة وذريعة ذهبت كلّها مع الريح. فلم يدركوا أن غفوة الأسد الكبير في آخر العمر هي الوعي الأكمل. وإن الشباب الحكيم هو في الشيخوخة الناضجة٬ وإن زئير الأسد الكبير يزوبع في صمته المهيب الرهيب.

فكان ما كان من تجنّيهم على عنصره الطاهر٬ وعقله الراجح٬ وصدره الصحيح. لكن العنصر ما زال طاهراً عفيفاً لدى الأسد الكبير٬ والعقل ما فتئ يوازن ثم يزن٬ والصدر يضجّ بالعافية٬ رغم التسعين أو ما يقارب.

فالركبتان مرتصتان٬ والمنكبان مشدودان٬ والقامة مرفوعة٬ والجبين يتحدى٬ والمشية كالنمر الهادئ، والصوت مليء٬ والنظرات قادحة.

لكأن الزمن خاف أن يمر عليه فمرّ به دون أن يمسّ عنصره الطاهر٬ وعقله الراجح٬ وصدره الرحب، الشكر ثم الحمد لرب السماء.

يبقى إن الرجل الكبير على غرار بطريرك انطاكية وسائر المشرق والأمير من أمراء الكنيسة وحامي أرز لبنان مار نصر الله بطرس صفير قد يوجد ضعفاء من حوله٬ يتناهشون. هذا حال الوجود الإنساني. إلا أن الحقيقة لن تأخذ بمنطق هؤلاء الضعفاء فغاياتها أسمى وأهدافها أنأى وآفاقها أبعد ويظل الضعفاء يتلهّون بصغائر الأمور. ألا يدري هؤلاء الضعفاء إنهم خطاة أيضا لا يستطيع فرد منهم أن يرمي البطريرك أولًا بحجر؟ إذا كان ثِمة انهيار في كيان الطائفة المارونية فكلّنا مسؤولون عن هذا الانهيار.

وإذا كان ثِمة واجب نهوض بالطائفة فكلنا مدعوون إلى ذلك النهوض في خطى سيد بكركي٬ وأمير لبنان الذي هو الرأس.
غير أن الخبايا التي بدأت تظهر من خلف الستائر المغِّلفة أو المغلَّفة٬ والخفايا التي راحت تذرّ قرنها بل قرونها تفيد أن شهوة الإستئثار ليست وحدها المتحكمة في بعض البطانة المارونية.

هناك يد مخططة تمتدّ من البعيد الأبعد خلسة وبكل حنكة للقضاء على المارونية التي أوقفها مار نصر الله بطرس صفير سدّاً منيعا في وجه مطلق تسلل من الخارج.

لقد برع البطريرك صفير ذوداً عن تاريخ الطائفة المارونية برع في تفّهم رسالتها ورسوليتها٬ للبنان والشرق العربي٬ والعالم أجمع.

برع في إدراك جوهر الكنيسة المسيحية التي ما طلبت من الإنسان يوما أن يتخلى عن انتسابه إلى وطن حبيب وطائفة عزيزة.

ذلك ما أغاظهم في البطريرك العنيد، وأنهم ظنوا أن سهام التمرّد على البطريرك صفير تتخطّى صفير ذاته عبر صفير نفسه٬ لتصيب أساساتها الطائفية المارونية أيضا بأمها وأبيها.

ولما كان هذا التمرّد المدروس قد داس كل القيم الأخلاقية والمبادئ المارونية التي توصي بالطاعة والإنضباط ومعرفة الجميل والإبتعاد عن الأنانية وحب الذات والذمنيّات الباطلة.

ويعلم الجميع أن صرح بكركي هو للجميع لا تمييز تحت سقفه ولا تفريق. لقد أوجده التاريخ الطويل عصّارة ودّ بين الطوائف كلها. فهو للمسلم كما للمسيحي٬ وللدرزي كما للمسيحي والمسلم. إذ أن المسلم لم يشعر يوما في ابهائه بأنه غير لبناني ولا الدرزي أحس يوما في ساجاته بأنه غير لبناني.
راجعوا مواضيعه قلبوا صفاحاته أمعنوا النظر في سطوره. تروا أن هذا الصرح العظيم قائم على الشهادات السيامية وعلى النضال المسؤول وعلى التضحية الواعية.

كل حجر فيه خلاصة أنفسٍ طاهرة. وكل عتبة من عتاباته نتيجة عقول نيّرة٬ جدرانه من عرق الجبين فلا تمل ولا تنحاز لغير الله ولبنان.

لا محيد لنا عن الأديان ولا مناص. وبكركي قامت على جوهر الدين. لذا رسخت على الوئام وطبعت على السلام وسلكت للتفاهم كل طريق. فما كانت يوماً مذمومة العهد واهية العقد ضعيفة المودّة. فلتَجتَمِعَنَّ القلوب على محبّتها ولتتفقّن العقول على مخالصتها. ففي ذلك مجد لبنان وعظمته وحضارته واستقلاله.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل