يبدو الآن وكأن زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد للبنان كانت بمثابة صاعقة أيقظت خلايا نائمة أو مستكينة في أمكنة كثيرة تبدأ في واشنطن وتنتهي في عواصم عدة في المنطقة مروراً طبعاً ببعض العواصم الاوروبية.
وعلى قاعدة ان الصراع على المنطقة لم يحسم بعد، يبدو واضحاً ان "الشرق الاوسط الجديد"، الذي بشّرت به كوندوليزا رايس صيف عام 2006 في سياق الحرب الاسرائيلية على لبنان، لم يمت نهائياً بعد، وان "الشرق الاوسط الاسلامي" الذي بشّرت به طهران وأعاد نجاد اعلانه من بيروت، لم يقم بعد.
اذاً حلبة الملاكمة محتدمة الآن. ومن الواضح تقريباً ان الملاكم الاميركي الذي حسب البعض انه يترنح عاد الى الهجوم، وما يؤكد هذا الامر هو التصعيد الذي تعكسه مواقف واشنطن وباريس الى حد ما، ضد سوريا وايران، سواء في ما يتصل بـ"المحكمة الدولية" وانعكاساتها على الوضع السياسي المحتقن في لبنان، او في ما يتصل بالوضع الفلسطيني، وخصوصاً بعد فشل المفاوضات المباشرة وان كان الفشل لاسباب تتصل تحديداً بالتعنت الاسرائيلي (!) وسواء ايضاً في ما يتصل بالسياسات النووية الايرانية وبممارسات طهران المقلقة من العراق الى كابول، حيث تبين ان حميد كارزاي ينام على وسادة من أوراق الاورو لا الدولار، التي تصل دورياً من ايران!
❒❒❒
كان يمكن ربط هذه الاستفاقة التصعيدية الاميركية بالمستلزمات الانتخابية للتجديد النصفي في الكونغرس، ولكن موجة طاغية من التقارير والابحاث والتصريحات والتعليقات، هبطت على رأس باراك اوباما في الاسابيع الماضية، وهي تجمع على ان ادارته ليست في طريقها الى خسارة لبنان فحسب، بل الى خسارة دورها في التسوية السلمية المعطّلة طبعاً، واستطراداً في المنطقة كلها، وصولاً طبعاً الى الخليج، الذي طالما صنّفته واشنطن "حيوياً" لأمنها القومي!
وعلى طريقة "الاوعية المتصلة" يرى بعض الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن، ان عودة البيت الابيض الى التصعيد ضد محور طهران – دمشق يفيد في استجلاب الصوت اليهودي ويمكن ان يفيد غداً في امتلاك عناصر مساعدة لممارسة الضغوط على بنيامين نتانياهو، في مسألة وقف الاستيطان واستئناف التفاوض مع الرئيس محمود عباس!
ثم على الطريقة نفسها، فإن التصعيد الاميركي ضد سوريا وايران انطلاقاً من الساحة اللبنانية، يمكن ان يشكّل عناصر مفيدة وضرورية للمساومة في العراق، الذي بدا واضحاً ان طهران تصر على الاكل فيه باليدين معاً كما يقال، بمعنى انها تريد ان تستكمل الانقلاب على نتائج الانتخابات، تماماً كما حصل في لبنان، وان ترجيح نفوذها عبر التجديد لنوري المالكي في رئاسة الحكومة رغم كل الاتهامات التي ساقتها اليه وثائق ويكيليكس!
❒❒❒
وتقود حسابات "الاوعية المتصلة" في واشنطن، الى مناقشة فرضيات منطقية وواقعية، تتصل بالحسابات السورية الدقيقة والحساسة جداً، وخصوصاً في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، فليس منطقياً ان يقفز الرئيس الايراني، وان كان حليفاً لدمشق، فوقها وفوق دورها وتاريخها واوراقها القوية، ليعلن من لبنان قيام "جبهة مقاومة الشعوب"، موحياً ان طهران هي القاطرة التي تسحب فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وحتى تركيا!
ثم ان الاحتقان المتمادي انطلاقاً من رفض المحكمة الدولية والدعوة الى مقاطعتها واسقاطها، وهو ما يعلنه "حزب الله" صراحة وسبق لطهران ان أيّدته، هذا الاحتقان يرسم خطاً بيانياً ربما يقود الى صورة مكررة عن تجربة 7 ايار، ولكن وسط ظروف مغايرة ومع شبكة علاقات سورية – لبنانية متغيّرة عما كانت عليه صيف 2008، على الاقل لجهة الحوار الدؤوب على خطوط "س. س." ولجهة تأكيدات الرئيس بشار الاسد حرصه على الحكومة برئاسة سعد الحريري.
كل هذا يرسم في واشنطن سؤالاً خلاصته:
هل تقبل دمشق بأن ينتهي الاحتقان اللبناني بانفجار يطلق يد "حزب الله" ولو مرحلياً في البلد، وهو امر تعرف سوريا تداعياته السياسية في عواصم عالمية واقليمية كثيرة، ام ان سوريا تنظر الى هذا من زاوية ان "قدرها" فرض ويمكن ان يفرض عليها لعب "دور الاطفائية" لوقف الحرائق في لبنان، ولهذا فإنها تحرص الآن بدقة على اللون الرمادي الذي تدعو وليد جنبلاط مثلاً الى الخروج منه، بما يساعدها على وقف النار اذا حصل الانفجار، وتأكيدها للخصوم والحلفاء، دوليين واقليميين، انها لاعب وحيد يقبض على الخيوط الاساسية في ما يتصل بلبنان وفلسطين والتسوية والمقاومة وقيادة الجبهات رفضاً أو قبولاً!