أمضى أكثر من نصف الشعب اللبناني أكثر من خمس سنوات وحوالى أشهر ثمانية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهم يرددون عند كل حفرة يحفرها حزب الله في الداخل اللبناني، أو مطبّ يرصّه أو حائط مسدود يرفعه "فتش عن المحكمة"، اليوم يعيش اللبنانيون لحظة الحقيقة إنها "المحكمة" لم يعد هناك أدنى مجال للشك، طوال السنوات الماضية بذل حزب الله جهوداً خارقة وجبارة لمنع إقرار المحكمة، ووحده صمود اللبنانيين وتمسكهم وإصرارهم على العدالة والحقيقة أوصلهم إلى إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1757 المتعلق بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان.
وشكّل إصدار القرار 1757، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، سابقة في تاريخ المنظمة الدولية، إذ لم تتشكل محكمة دولية جزائية خاصة بدولة هدفها محاكمة المتهمين الضالعين بجرائم عادية أو إرهابية، والسابقة طبعاً ليست بناءً على "نظرية المؤامرة" وهي نظرية محورية في إيديولوجيا الأحزاب المشابهة لحزب الله، فهؤلاء يحتاجون إلى أمرين للاستمرار ولتعبئة الجمهور وحقنه بإبر الالتفاف من حوله، الأمر الأول: عقيدة مقاتلة عدو، والأمر الثاني: تآمر دائم ضدهم من كل وأي آخر مع العدو!! السابقة جاءت لوضع حدٍ لسياسة الاغتيال السياسي في لبنان منذ قيام الدولة اللبنانية، والفاعل "معلوم – مجهول" ولا يخضع لأي مساءلة أو محاكمة.
وقياساً على السنوات الماضية، وعلى النتائج التي أسفر عنها 7 أيار العام 2008 والرد القاسي الأول عليه في حشد 14 شباط العام 2009 على رغم التهديد والتهويل وما تعرض له اللبنانيون في طريق العودة من ساحة الحرية، والذي بلغ حد سقوط شهداء، ثم الرد الثاني والذي جاء أقسى من الأول عبر نتائج صناديق انتخابات حزيران 2009 التي أصابت حزب الله بذهول هزيمة بعد نصر موعود أو موهوم، واليوم اللبنانيون والمحكمة الدولية والمجتمع الدولي من جهة وحزب الله من الجهة الثانية بلغوا الشوط الأخير قبل بدء المحكمة عملها، لذا لا يُخيف اللبنانيين سيناريوات الانقلابات أو سيناريوات عودة عسكرية للحالمين بعودة جيش نسوا ربما مشهد مغادرته للبنان بعدما ظنّت أنها باقية فيه إلى يوم القيامة!!
نحن في الشوط الأخير؛ عملياً هذه "الحشرة" التي يعيشها حزب الله سببها أبعد من القرار الظني، وقراره بوقف التعامل مع لجنة التحقيق الدولية، وهي أبعد من مجرّد أنه أودى بنفسه عندما ترك المحكمة تقرّ تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، عملياً يُدرك حزب الله أن عدم اعترافه وامتناعه هذا سيجعله محشوراً في موقع آخر، هناك حيث القرار الذي يستظل بموجبه مواثيق الأمم المتحدة الـ1701.
حزب الله في مأزق حقيقي، ووحده يُدرك عمق هذا المأزق، وهو من "حشرته" تراه يُطالب رئيس الحكومة بما لا يملك تغيير حرف فيه، والأطرف أن الوسطيين يهولون بانقسام حكومي في ملف الشهود الزور، فيما حزب الله يعلن: "لن ننسحب من الحكومة"!! حزب الله يختبئ في "عبّ" الدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه يريد من هذه الدولة أن تواجه بالنيابة عنه دول العالم، وهو غاضب من سعد الحريري ويشن عليه حرباً على جبهتين، الجبهة الأولى: ملف الشهود الزور واتهام قيادات قضائية وأمنية في البلد بفبركة هذا الملف، فيما يشنّ على جبهة ثانية وبـ"الوكالة" حملة تشهير وتشويه لصورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عبر حليفه ميشال عون الذي "بلع لسانه" بالأمس عندما فتحت أوراق سرقاته المليونية أيام السيادة والتحرير والنضال المزعومة، ووسط هاتين الحربيْن يريد حزب الله من سعد الحريري أن يعطّل له القرار الظنّي والمحكمة الدولية!!
بصرف النظر عن كل التهديدات، من قرأ جيداً كلام نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم في الحديث الذي أدلى به منذ أيام إلى صحيفة "الراية" القطرية يدرك حجم المأزق الذي زجّ فيه حزب الله نفسه بنفسه، وحجم "عنق الزجاجة" الذي "علق" نفسه فيه، فقاسم الذي يناقض نفسه بنفسه يقول "حزب الله" يقف ضد المحكمة الدولية لأن لديه ثقة مطلقة بعدم مسؤوليته عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأن المحكمة قد تجاوزت كشف الحقيقة إلى عناوين هدفها تصفية حسابات، ولأنها محكمة مسيّسة (…) لن نسلّم رقبتنا إلى هذه المحكمة" هذا من جهة، ومن جهة ثانية يطالب قاسم الرئيس الحريري "الذي يتمسّك بالمحكمة بإيجاد حلّ جذري لمأزقها، وبذل جهوده من أجل إبعاد لبنان عن الفتنة"، وما بين الأمرين ينفي الشيخ نعيم قاسم: "أن يكون الحزب بصدد الانسحاب من الحكومة من أجل إسقاطها". فهل يفسّر لنا أحد ما كيف تكون الدولة والحكومة ورئيسها مع قرارات الشرعية الدولية وحزب الله ضدها ومصر أن يبقى في حكومة يُخالف بيانها الوزاري ومواقفها المعلنة؟!