إذا انتصر الجمهوريون يمكن التفاؤل بوعود أوباما "التغييرية"
فرصة حقيقية لتقويم الاعوجاج في السياسة العالمية
إذا ما صحّت التوقّعات بفوز الجمهوريين اليوم في الانتخابات التشريعيّة النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، يكون بمقدور كاتب هذه السطور مراجعة موقف سلبيّ درج عليه من الرئيس باراك أوباما!
فأساس الإرتياب من ظاهرة كاريزميّة متألّقة مثل ظاهرة الصعود المدوّي لأوباما إلى سدّة الرئاسة، رئاسة العالم، كان التوجّس من أن ينعكس وصوله مزيداً من الفوضى على الصعيد العالميّ.
فأزمة التحكّم بمسار الكوكب تصاعدت كثيراً بعد تهافت "الثنائية القطبية" في نهايات الحرب الباردة، وبعد عودة جزئية لمناخات "القرون الوسطى" من خلال "صدام الحضارات" و"الحروب الدينية" و"سياسات الهوية"، ومع الإنفجار الديموغرافيّ الكبير في العالم الثالث، والتعطّل الديموغرافيّ في الغرب، بل التراجع الديموغرافيّ المقلق في روسيا، ويضاف إلى كل ذلك الإضرار الكارثيّ بالبيئة والطبيعة والمناخ، ما يعود في جزء كبير منه إلى انتقال حركة التصنيع إلى العالم الثالث، وإلى التناقض بين آليات السوق الرأسماليّ وبين أهمية المسارعة إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، أكثر استشرافاً للمستقبل.
وأزمة التحكّم هذه، وأشكال الفوضى الناشئة عنها، ليس بالمقدّر إلا أن تتزايد وبشكل فظيع إذا ما تصدّعت "الأحاديّة القطبيّة" نفسها، وخصوصاً إذا كانت البدائل عن هذه "الأحادية" على شاكلة الزعيم الصاعد كيم جونغ أون إبن الزعيم كيم جونغ إيل "المحبوب من أربعين مليون كوريّ" وحفيد الزعيم كيم جونغ إيل الذي ما زال الأربعون مليون كوريّ يتفجّعون على ذكراه.
والفوضى إذا تعطّلت آليات التحكّم على الصعيد العالميّ لا تعود فقط مرهونة بقوى ذات طبيعة "طَرَفية" وصغيرة أو متوسّطة الحجم، فالفوضى العالميّة في ظلّ العولمة لن تعني إلا عدّاً عكسياً لرعب لا نهاية له، وتمردّاً للنفس الحيوانية على النفس البشريّة، لكن بمعية العلوم والتكنولوجيا، والتحالف بين المخيلات الأسطورية والذكاء الإصطناعيّ!
وهكذا كان الخوف من لحظة الإنتخاب "الخلاسية" و"الفائقة في الديموقراطية" لأوباما رئيساً خوفاً على المستقبل، وخوفاً من استفحال أزمة تحكّم البشر بمسار حياتهم على الكوكب.
وأظهرت السنتان الماضيتان بوضوح أنّ هذا الخوف "المحافظ" كان مبرّراً وإلى حدّ كبير. فأوباما أتى بروزنامة ديموقراطيّة ليبراليّة طموحة على الصعيد الداخليّ الأميركيّ، وبتغيير في أسلوب التخاطب مع الحلفاء والأخصام على الصعيد العالميّ، وبإيمان خاصّ بأهميّة "حوار الثقافات" بالشكل المعبّر عنه في خطابه التاريخي في القاهرة. لكن النتيجة العملية لانتخاب أوباما كانت توقّف حركة التوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرقين الأوروبيّ والإسلاميّ، وأصاب أحرار أوكرانيا وجيورجيا ولبنان ما أصابهم نتيجة لذلك، والمأساة الحقيقية كانت من نصيب أحرار إيران من أبطال "الثورة الخضراء" المظلومة.
وعلى صعيد الملفّ العربيّ الإسرائيليّ، لم يكن للتمايز الأسلوبيّ في لغة الرئيس أوباما أن يفعل فعله من دون سند فعليّ، وما حدث أنّ الإدارة الأميركية عطّلت إلى حد كبير مفاتيح تحكّمها بإسرائيل. انتقلنا من إنحياز ظالم طبع الإدارات السابقة، لكنه بقي مزوداً بمفاتيح تحكّم ولجم لإسرائيل، إلى إنحياز أقل ظلماً لنا على صعيد الأسلوب، لكنه أقلّ قدرة أيضاً على لجم عدوانية إسرائيل، أو على الدفع قدماً وبجدّية بإتجاه استئناف حقيقيّ للمفاوضات العربيّة الإسرائيليّة.
الحصيلة على الصعيد العالميّ تبرّر تماماً ارتيابنا الحاصل منذ أيّام الإنتخابات الرئاسية، وهي يمكن أن تفسّر بعضاً من أسباب هزيمة الديموقراطيين. طبعاً سيقال إن الأميركيين لا يهتمون بالسياسة الخارجية، والجميع يعلم ذلك. إلا أنّ عدم اهتمامهم بها كـ"ملفات" لا يعني أن حكمهم على أوباما في الصناديق سيكون اليوم حكماً على السياسة "المحليّة" فقط، بل "المحليّة الإقتصادوية" ليس إلا، ففي عالم اليوم ليست الملفات "الداخليّة" في أي بلد من البلدان غير المقلب الآخر للملفات "الخارجية". في أميركا تحديداً، من الطبيعي أن لا تكون السياسة الخارجية مهمّة في الإنتخابات لأنّ المطابقة واسعة النطاق بين ما هو خارجيّ وما هو داخليّ.
وإذا ما حدث وانتصر الجمهوريّون سيكون بالإمكان كما قلنا ليس التفاؤل بهم، بل التفاؤل هذه المرّة بأوباما نفسه. ليس للجمهوريين اليوم أي مشروع، غير التعبير عن حجم الإرتياب الواسع من توجّهات باراك أوباما، ومما يبوح به أو يكتمه في سياق وعوده "التغييرية". ليسوا إلا قوّة إنفعاليّة. المشروع الأيديولوجيّ الذي تبنّوه غداة 11 أيلول ضمر إلى حد كبير. لكن ما هو مهم، أنّهم إذا ما انتصروا، فهذا يعطي لغريمهم أوباما طاقات دفع حيويّ يحتاجها لإعادة التقاط دفّة السفينة الأميركية والعالمية. الجمهوريّون قوّة بلا مشروع. وأوباما مشروع بلا قوّة. إنتصار الجمهوريين يعطي المجال لمصالحة المشروع مع القوّة. إنتصارهم وحده هو القادر على إعادة ترتيب الأمور بشكل نقول فيه لاحقاً: كان وصول أوباما إلى رئاسة أميركا والعالم حاجة تاريخية فرضتها تداعيات التعثّر الأميركيّ في حروب الشرق الأوسط، والأزمة الإقتصادية والمالية العالمية، وسوء التفاهم الكبير بين أميركا وأوروبا، كما فرضها منطق التداول على السلطة نفسه في مجتمع ديموقراطيّ. لكن وصوله الذي لملم الأزمة الإقتصادية والمالية العالمية، ضحّى بالتوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق، وسبب انتفاخة طاووسية لبعض الأنظمة الأيديولوجية الأمنية في العالم الثالث. وفي النهاية كان لا بدّ من "عودة" الجمهوريين لتقويم الوضع، أي لجعل أوباما يملأ فعلاً المساحة التي جاء يملؤها، أي المساحة التي على أساسها تطوّع بريزنسكي وكيسنجر وفوكوياما لمناصرة باراك أوباما، انطلاقاً من السؤال الإستراتيجيّ الذي جمعهم: كيف التجديد للصدارة الأميركيّة لقرن جديد؟
وإذا ما أعدنا النبش في التراث الماركسيّ لوجدنا لينين عشية استيلاء حزبه البلشفيّ على السلطة يقول ما معناه إن ليون تروتسكي وما ان اقتنع بالنظرية المركزية في التنظيم بعد عشرين عاماً من الجدال ضدّها حتى صار ما من بلشفيّ أفضل منه، أي من تروتسكي نفسه. وهذا مفهوم تاريخياً، إذ كان الإقتناع المتأخّر لتروتسكي بهذه النظريّة في التنظيم شرطاً لا غنى عنه لنجاح الإنقلاب المسلّح للحزب البلشفيّ نفسه.
وهذه لعلها تكون حال أوباما اليوم. ما أن ينتصر الجمهوريون، ويستخلص هو تداعيات هذا الفوز، حتى لا يعود هناك أميركيّ أفضل منه، وحتى لا يعود هناك من هو أفضل منه إبتداء من اليوم لقيادة السفينة الأميركية والعالمية. ابتداء من الآن فقط يمكن أن ننتظر من البروفسور باراك أوباما نظرية في التنظيم، نظرية في إعادة تنظيم العالم. انها بحق فرصة حقيقية لتقويم الإعوجاج العالميّ، والشرق الأوسط ميدان أساسيّ.