#adsense

إسلام.. وإسلام

حجم الخط

تابعت منذ مدة قصيرة، ومن ضمن الإضاءة على مقررات السينودس من أجل الشرق الأوسط الذي صدر عن حاضرة الفاتيكان برئاسة البابا بنيديكتوس السادس عشر وحضور عدد كبير من الكرادلة والبطاركة ورجال الدين للطوائف المشرقية، وجمع من العلمانيين، لقاء تلفزيونياً على شاشة «تيلي لوميير» جمع الأب يوسف مونّس والباحث المتعمّق في الديانتين الاسلامية والمسيحية وأحد رموز الحوار بين الاسلام والمسيحية والذي قوبلت مداخلته في الفاتيكان بكثير من الاهتمام والتقدير والإعجاب ومنحه البابا بنيديكتوس وساماً بابوياً رفيعاً تقديراً له، عنيت به الأستاذ محمد السمّاك.

الأب مونّس من جهته، غنيّ عن التعريف، وهو المحاور المنفتح بامتياز، والمرحّب به دائماً في أي مناسبة دينية اسلامية، يلقي كلمة او محاضرة او مداخلة، مغمّسة بالفرح وبروحيّة المحبة أروع ما قدّمته المسيحية الى البشرية، وهي المحبة والاعتراف بالآخر، أبرز ما جمع الرجلين، اضافة الى اقوال للنبي العربي، والى آيات في القرآن الكريم، تعكس أبهى صورة للقربى الوثيقة التي تجمع المسيحية بالاسلام.

*****
استرجعت ذاكرتي هذا اللقاء التلفزيوني الذي يجب تعميمه على العالم كله، وخصوصاً على العالمين العربي والاسلامي، وأنا أتابع بذهول وغضب المجزرة التي ارتكبها مجرمون بحق رجال ونساء وأطفال وشيوخ ورجال دين مسيحيين، وهم يرفعون صلاة المحبة والتسامح والغفران والرجاء في كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في كرّادة بغداد، وكان اسوأ ما في هذه المجزرة، قبل تقصير رجال الأمن العراقيين وقلّة خبرتهم، ان المجرمين، فجّروا المصلّين ونحروا كاهنين بالسيوف حتى الموت، باسم الاسلام، واسم دولة الاسلام في العراق.

عن أي اسلام يتكلم هؤلاء، وعن أي دولة اسلامية يبشّرون بها في العراق، واليمن وافغانستان وباكستان، وكل دولة يعيش على أرضها مسلمون.
هل يسعون الى دولة تقتل مسيحيين، دعا الله في كتابه الى محبتهم واحترامهم، وحمايتهم وأحلّ لهم اكل طعامهم.

وهل يستعدون لقتل الأقباط ونحر كهنتهم، وملك الحبشة المقوقس القبطي أجار لسنوات وسنوات المسلمين المؤمنين بدعوة محمد بعد لجوئهم الى بلادهم، مزوّدين برسالة من النبي الى ملك القبط يعبّر فيها النبي العربي بكلمات لا أجمل ولا أروع، كما نقلها حرفياً في اللقاء الباحث المسلم الأستاذ محمد السمّاك، عن نظرة محمد الى السيد المسيح «المولود من روح الله»، أم انهم ينفذون وصية محمد عندما أوصى اتباعه وهم في طريقهم الى فتح مصر، بمعاملة الأقباط معاملة حسنة وحمايتهم، منهم أهل ماريا القبطية، زوجة النبي ووالدة ابنه الوحيد ابراهيم الذي بكى عليه محمد بكاء مرّاً عند وفاته وهو طفل.

أين هم رجال الدين المسلمون المتنوّرون، أو من هم على صورة ومثال محمد السمّاك، يرفعون أصواتهم، يحرّمون هؤلاء الخوارج على الدين، الذين يعتبرون ذواتهم من «أولياء الله المجاهدين»، وهم ليسوا سوى جماعة مهووسة بالقتل والدم، يجنّدون الأطفال المغرّر بهم لتفجير أجسادهم في المدنيين العزّل من مسيحيين وغير مسيحيين، الى درجة ان احد الانتحاريين كان لا يتجاوز الاثنتي عشرة سنة.

هل يعقل ان انساناً سويّاً يصلّي ويصوم ويقوم بجميع الفرائض يقبل بأن يكون جزءاً من عصابة قتل، فيمدّها بالمال والمساعدات لتنفذ المزيد من أعمال القتل والذبح والتفجير، بحق أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل بكل ما يجري في العراق او افغانستان او اي مكان آخر.

ما هي علاقة مسيحيي العراق، وهم أهل البلاد الاصليون وسكانها بالقوات الأميركية او البريطانية، او غيرها من القوات، واذا كان لهم علاقة ما مع الأميركيين فيجب ان تكون مع الهنود الحمر، سكان أميركا الاصليين الذين تعرّضوا مثلهم للقتل والإبادة والتهجير، ام ان اللجوء الى استخدام الاتهامات الكاذبة هو السبيل الناجح على الدوام، لتحقيق أحلام دمويين، يحلمون بإقامة إمارات على جماجم الأبرياء من كل الطوائف.

*****
هل يمكن القول ان مجزرة بغداد بحق المسيحيين، هي ردّ التكفيريين على مقررات السينودس من أجل الشرق الأوسط، الذي وضع خريطة طريق لحياة مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر، والتعلّق بالأرض والتراث، وعلى احترام الوصايا العشر وتنفيذها، وهي التي أمر بها اله المسيحيين والمسلمين، على اعتبار ان الطريق هذه، ستقطع الطريق على فريق تكفيري، لا يعرف سبيلاً للحياة والعيش سوى سبيل الإرهاب المبني على أبشع طرق القتل والتفجير والاغتيالات، ولذلك فان القيادات الاسلامية الروحية منها والزمنية، والمسؤولين في كل بلد تعيش فيه أقليات موحّدة، مدعوّة الى وقفة صلبة في وجه هذه الهجمة الجاهلية، التي اذا انتصرت سيكون لها دينها الخاص الذي لا علاقة له بأي دين سماوي، وخصوصاً دين الاسلام.

الادانات لم تعد تنفع، والتأسّف على الشهداء لن يوقف المجازر المتنقلة، وما يجب ان يعمل اليوم ولا يعمل، سيكون متأخراً جداً غداً، وغير ذي نفع، والكرة الآن في مرمى المسلمين.

المصدر:
الديار

خبر عاجل