كتبت "النهار": بعد اكثر من محاولة، يعود ملف استئجار بواخر الكهرباء الى طاولة مجلس الوزراء على خلفية مناقشة اقتراح وزير الطاقة والمياه جبران باسيل تزوّد الطاقة من شركة Karadeniz وفقا لخطة من 42 مبادرة، "وتكمن الاولى في موضوع البواخر القاضي بإمكان استجرار الطاقة واستئجارها وهذا ليس ارتجالياً أو حلاً موقتاً"، وفق باسيل.
لكن، يتوقع الا تمرّ مناقشة خطة الكهرباء من دون حماوة صاخبة تستهدف، وفق ما قالت مصادر وزارية لـ"النهار"، تعطيل الطرح استنادا الى جملة تحفظات رفعت في تقرير الى رئيس الحكومة، وفيه تفنيد لمعظم بنود الخطة وانتقاد لحصر التفاوض بشركة واحدة. واذ اعتبر التقرير ان ثمة ضرورة في تلبية حاجة البلد إلى الكهرباء تجاوزا للوضع الكارثي، حذّر من الوقوع في قرارات خاطئة تحت ضغط السرعة، "علما انه كان امام المسؤولين الوقت الكافي خلال العقد الماضي للقيام بخطوات مدروسة ومراعية للشروط المتعارف عليها. واذا كانت ظروف الصراع السياسي لم تسمح سابقا بترتيب الملفات علميا، فلا بأس من التمهل لشهر او شهرين للتأكد من سلامة الخطوات وزيادة امكانات النجاح".
وتنشر "النهار" ابرز الملاحظات-الانتقادات التي وردت في التقرير، وكان يتوقع ان تثار في جلسة الأربعاء المؤجلة.
"أولاً- في المنهجية المتبعة: عند درس تلك المنهجية في ادارة ملف الكهرباء، تظهر رغبة صادقة لدى المسؤولين لاحراز نتائج سريعة، لكن يخشى في الوقت عينه حدوث نكسات لا يمكن البلاد واوضاعها المالية تحملها.
وعندما يوصي وزير الطاقة تكرارا اللجنة الوزارية برئاسة الرئيس الحريري، بضرورة التفاوض مع شركة واحدة يمكن ان تؤمن الطاقة بكفاية اعلى من غيرها وباسعار اقل من سواها، فمعنى ذلك ان الوزير المختص يريد حصر الموضوع بهذه الشركة وحدها قبل استنفاد الامكانات الاخرى، بحيث تصبح مهمة اللجنة الوزارية السعي لخفض الاسعار التي تعرضها الشركة والضغط عليها لتحسين خدماتها، بينما مهمة اللجنة يجب ان تكون اساسا الاطلاع على كل العروض وغربلتها وفحص مضامينها والتأكد من القدرات التقنية لكل شركة والضمانات التي تقدمها للاستمرار في العمل وفقا لدفاتر الشروط، فضلا عن قبول الاعتراضات او التعديلات الواردة من الشركات ودرسها واتخاذ القرار المناسب بشأنها. كذلك، على اللجنة الاجتهاد لتفادي الوصول الى مآزق مستقبلية والتأكد من ملاءة الشركة التي رسا عليها الاختيار وقدرتها على الاستمرار بعد انتهاء مدة العقد وتأمينه باسعار مناسبة، وضمان عدم قيام الشركة باغتنام الحصرية التي تتمتع بها للضغط في اتجاه زيادة الاسعار في مرحلة متقدمة او زيادة اجور الصيانة (…)، لذا، فان استعجال وضع اعلان في الصحف المحلية وحدها بتاريخ 30 ايلول 2010 للحصول على عروض لاستئجار الطاقة بالوسائل والتقنيات المتاحة، على ان تعبئ نماذج للمعلومات المطلوبة في مهلة اقصاها 16 تشرين الاول 2010، هو اعلان مثير للدهشة وينبغي اعادة النظر فيه.
ان موضوعا بهذين الحجم والاهمية يستلزم مناقصة دولية شفافة ومكتملة الشروط تراعي سمعة الدولة وتتيح المجال المطلوب للدرس والاختيار ضمن مهلة معقولة لا تتعدى الـ3 اشهر بدلا من حشر العارضين في فترة زمنية محدودة، تبين بعدها ان المفاوضات كانت جارية منذ زمن مع شركة محددة وكانت عملية استدراج العروض بمثابة اجراء شكلي، الهدف منه تبرير قرار متخذ سابقا.
ثانيا- في الاسعار: يتبين من تقرير الوزير باسيل انه لم يتناول مسألة السعر الا في ما يخص شركة Karadeniz التي تعرض سعر 5,22 سنتات/كيلوواط ساعة بدون كلفة المحروقات ولعقد مدته 3 سنوات، و4,879 سنتات/كيلوواط ساعة لعقد مدته 5 سنوات مع تقدير بامكان خفض هذا السعر. علما انه بعد التدقيق، يتبين ان الارقام لا تعكس الواقع، اذ يتوجب على الوزارة ايضا دفع مبلغ سنوي Fixed O&M قدره 3,943,971 دولارا على البارجة الاولى و6,001,695 دولارا لكل من البارجتين الثانية والثالثة. وهذه المبالغ تترجم تقريبا الى 0,429 سنت زيادة في السعر/كيلوواط ساعة.
(…) والاهم، ان محطات توليد الكهرباء المعروضة على الوزارة على اساس Lease to Purchase، ستكون ملك الدولة بعد نهاية العقد المتفق عليه، بينما العقد المقدم من Karadeniz هو عقد استئجار لا يؤدي الى تمليك الدولة اي شيء في نهاية مدة العقد. والاستنتاج هنا بالنسبة الى مصلحة الدولة لا يمكن ان يخفى على احد، علما ان التقرير المرفوع الى مجلس الوزراء لم يتحدث عن هذا الاحتمال، ولم يبيّن بالارقام في اطار جداول مقارنة شفافة الميزات التفاضلية التي تتمتع بها الشركة المعنية وما يمكن ان يقدمه لبنان مقابل الاموال الطائلة التي ستجنيها مقابل ذلك.
ثالثا- في الاثر البيئي: ان العروض المقدمة يجب ان تلحظ الاثر البيئي الناجم عن عمل الشركة في حال تمّ اعتماد التقنيات التي تلتزمها وانواع الفيول التي ستستخدمها نظرا الى اهمية هذا الموضوع بالنسبة الى لبنان الذي لم يعد قادرا وخصوصا في المناطق الساحلية على تحمل التفلت البيئي الراهن بسبب معامل الكهرباء القائمة والمولدات الخاصة فضلا عن المعامل والشاحنات والسيارات والصرف الصحي وسواها. لذا، من الضروري قبل اختيار الشركة المطلوبة، ان تعطي وزارة البيئة رأيها الرسمي وتكون مسؤولة عنه لاحقا، ويجب التأكد من الالتزام بالمعايير الدولية او تلك المعتمدة في دول المتوسط (الانبعاثات السامة او الضجيج). يجب بالشركة المعنية ان تتعهد مسبقا بان تكون الانبعاثات التي يمكن ان تنشأ عن توليد الطاقة من البواخر الراسية في المرافئ المتاخمة لمعامل الانتاج (الزوق، دير عمار والجيه) مطابقة للمعايير الدولية، بحيث يتمتع الاهالي باجواء بيئية افضل من السابق، علما ان ذلك يعتمد على المحروقات التي تستخدمها هذه البواخر وارتفاع المداخن المتصلة بها. فاذا كان الفيول الذي سيحرق من نوع HFO حيث نسبة الكبريت توازي 1%، كانت المداخن اقصر من مداخن الزوق وسواه.
فالاحتمال المرجح اننا سنقع في ازمة كبيرة اين منها تلك التي يعيشها اليوم اهالي جونيه وكسروان والجيه والشمال من جراء انهمار الغبار الاسود المسموم على المنازل والشرفات والطرق والمزروعات؟ يجب تدارك هذا الاحتمال الخطير منذ اليوم، والتأكد من تقيد اي شركة يقع عليها الالتزام بالشروط التي تحددها وزارة البيئة حفاظا على الصحة العامة.
علما ان البوارج المفترض استئجارها من Karadeniz تستعمل Reciprocating Engines مع وقود HFO heavy fuel oil، وهي طريقة لا تستوفي الشروط البيئية العالمية ومحظر استعمالها في اميركا الشمالية واوروبا نظرا الى ارتفاع مستوى الهواء الملوث المنبعث منها، وخصوصا ثاني اوكسيد الكبريت SO2 الذي يسبب Acid Rain. ونوع الوقود المسموح حرقه في هذه المولدات هو الغاز الطبيعي او الديزل فقط وليس HFO، بينما يقوم عرض Lease to Purchase على معالجة HFO قبل حرقه في التوربينات، وهذه الطريقة تستوفي اعلى الشروط البيئية العالمية.
يذكر انه في حال ارتأت الوزارة تعديل نوع المحروقات من HFO الى ديزل لاسباب بيئية، ستزيد الكلفة نحو 40 دولارا عن سعر HFO. وهذا ما يسبب كلفة اضافية للخزينة تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
رابعا- في مباشرة العمل: من الميزات التي يمحضها التقرير لشركة Karadeniz انها قادرة على تسليم اول باخرة خلال 3 اشهر من انهاء التفاوض والثانية بعد 6 اشهر، ولكن تسليم الباخرة امر ومباشرتها بالانتاج امر آخر، اذ يتعين جلاء بعض الامور قبل الجزم بان الشركة تستطيع التفوق على سواها بالنسبة الى بدء بتغذية التيار في فترة قياسية. فاللجنة لم تبين اين سترسو هذه البواخر تحديدا، هل في البحر قبالة معامل الزوق ام في مرفأ جونيه؟ وهل يمكنها الرسو في كلا الموقعين؟ وتاليا تلبية الشروط البيئية التي يرجوها الاهالي لازالة المعاناة التي عانوها منذ 50 عاما؟ ايضا، لم يبيّن التقرير كيف سيتم الربط بين البواخر وخطوط التوتر العالي، ومن سيتولى تغطية التكاليف.
خامسا- في المفاضلة بين الشركات: بحسب تقرير الوزير، تمّ استبعاد بعض الشركات التي تستخدم مولدات على الارض لاسباب، بينها ارتفاع الكلفة وتعقيدات في نقل مادة الديزل اويل الى المواقع اللازمة، اضافة الى عدم توافر المساحات اللازمة لهذه المولدات في كل المواقع.
واذا كان العرض المتعلق بالباخرة منفصلاً عن المشاريع المستقبلية، فان آخرين يقدمون عروضا واضحة لتوليد الطاقة باسعار منافسة لاسعار الباخرة، فضلا عن استعدادهم لاستخدام موظفي كهرباء لبنان وتدريبهم وانشاء محطات في معظم المواقع القائمة (اي قرب المستهلك في بعلبك وصور والجيه والزوق ودير عمار والزهراني) وتسليمها بعد انتهاء العقد الى كهرباء لبنان. فلم لم يلحظ تقرير الوزير ذلك؟ ومن المسؤول عن استبعاد هذه المعلومات المهمة التي قد تكون حاسمة اذا ما اقترنت باسعار اقل مما تعرضه البارجة بما يوفر على كهرباء لبنان ويساعدها بعد انتهاء العقد على الامساك بالملف وتملك المولدات؟"