#adsense

من فمك ندينك يا سيد نصرالله…

حجم الخط

جاء خطاب السيد حسن نصرالله الأخير ليُشكّل المثال الأبرز على نمط التعاطي التضليلي الذي يحكم علاقة السيد حسن نصرالله بجمهوره بشكل خاص، وبالرأي العام اللبناني بشكلٍ عام. إذ يكفي في هذا الإطار، ان نستعرض مجمل النقاط الرئيسية الواردة في هذا الخطاب، ونُحللّها، ثم نقارن بعضها بالبعض الآخر، او بمواقف السيد حسن السابقة، لكي يتبيّن للجميع مدى التناقض والتعارض في ما بينها، واستطراداً حجم التضليل الذي تختزنه.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، يجزم السيد نصرالله بعمالة المحكمة الدولية وجسمها القضائي، لأميركا وإسرائيل، ثم يعود مباشرةً، فيُناقض نفسه بنفسه وذلك من خلال تأكيده:

اولاً، بأن "الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً كبيرة على بلمار للتعجيل في إصدار قراره الظنّي" راجياً إيّاه بألاّ يرضخ لهذه الضغوط.

وثانياً، من خلال زعمه بأن القرار الظني مكتوب ومنتهِ وبأنه –اي السيد نصرالله- تبلّغ بمضمونه في العام 2008!!

وعليه، تستحضرنا جملة تساؤلات:

اولاً: ما دام السيد نصرالله يُطلق احكامه المبرمة، ويجزم سلفاً بعمالة دانيال بلمار للأميركيين والإسرائيليين، فهل يُعقل، بعد كل ذلك، أن يعود ويرجو بلمار بعدم الرضوخ للضغوط الأميركية والإسرائيلية؟؟

وثانياً: ما دامت المحكمة الدولية، بنظر السيد نصرالله، أداةً تنفيذية مباشرة للإملاءات الإسرائيلية والأميركية، فما حاجة الولايات المتحدة إذاً لممارسة هذا الكّم من الضغوط على مدعّي عام المحكمة دانيال بلمار للتعجيل في إصدار قراره الظنّي؟ ولو سلمنّا جدلاً بأن القرار الظنّي مكتوب ومنتهِ، وبأن السيد نصرالله قد إطلّع عليه شخصياً في العام 2008، فما الداعي إذاً لإستئخاره سنتين او اكثر(اي منذ العام 2008 وحتى اليوم وربما اكثر)، طالما ان الأميركيين والإسرائيليين –"الممسكين بزمام امور المحكمة"- يضغطون بالأساس للتعجيل في صدوره؟ وللتذكير ايضاً، فإن رئيس اركان الجيش الإسرائيلي غابي اشكنازي سبق ان توقّع صدور القرار الظنّي في ايلول المنصرم، وحينها أقامت قوى 8 آذار الدنيا على المحكمة الدولية ولم تقعدها، ومع ذلك خابت توقعات اشكنازي، شأنه في ذلك شأن اي محلل سياسي يُعبّر عن وجهة نظرٍ شخصية لا تربطها بموعد صدور القرار الظني اي علاقة سببية.

واستطراداً، وما دام السيد نصرالله يعلم بمضمون هذا القرار منذ العام 2008، فكيف وافق إذاً على إنشاء المحكمة الدولية في البيان الوزاري الذي اُقرّ في كانون الأول 2009، اي بعد اكثر من سنة على هذا التاريخ؟

والجواب على ذلك يكمن في ان السيد نصرالله كان طيلة الفترة السابقة يحاول كسب الوقت، مراهناً باستمرار على إبرام صفقة إقليمية تعطّل مفاعيل المحكمة الدولية وصولاً الى إلغائها، وهو بالضبّط ما تُروّج له اوساط حزب الله منذ مدّة.

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، وإنطلاقاً ممّا تقدّم، فمن البديهي تذكير السيد نصرالله بأن استراتيجية حزب الله الآيلة الى إدخال المحكمة الدولية في بازار المساومات السياسية، هي "التوظيف السياسي" بحدّ عينه. فمن يُسيّس المحكمة حقيقةً يا ترى؟

ويتابع السيد نصرالله حديثه المُشوقّ الذي يزخر بالسيناريوهات "المؤامراتية"، فيجزم ويؤكد بأن "كل المعلومات التي تمتلكها المحكمة تُرسل الى اسرائيل". ولا بد، امام هذا الإتهام الخطير، من التوقف عند ثلاثة إحتمالات مُرفقةٍ بعددٍ من الإستنتاجات:

اولاً: إمّا أن حزب الله يخترق عمل المحكمة مباشرة او بالواسطة، ويطلّع بالتالي على كل ما يدور في كواليسها. وهذا يُعتبر بحدّ ذاته، إقراراً ضمنياً بتدخّل حزب الله في عمل المحكمة الدولية، بما يناقض كل دعوات السيد نصرالله بإبعاد التدخلات السياسية عن المحكمة.

ثانياً: إمّا ان حزب الله يخترق أجهزة الأمن الإسرائيلية، وهذا يتطلّب من حزب الله تحمّل المسؤولية التاريخية، وإطلاع الرأي العام على اي براهين دامغة وموثّقة قد تُثبت هذا الإتهام الخطير، وذلك لكي يبني اولياء الدم والشرعية اللبنانية والدولية، على الشيء مقتضاه.

ولا شكّ في أن حزب الله، الذي يواجه قضية وجودية خطيرة بحجم قضية اتهامه باغتيال الرئيس الحريري، لن يبالي كثيراً بالضرورات الأمنية ولا بسريّة العمل المخابراتي في ما لو ادّى ذلك الى تبرئته وإثبات وجهة نظره، تماماً مثلما لم يراعِ الحزب هذه السريّة يوم عرض امينه العام ما سُمّي حينها بـ "القرائن" التي تدين اسرائيل باغتيال الحريري، بالرغم من ان هذه "القرائن" جاءت هزيلة وغير ذي جدوى مقارنةً بالمجازفة التي اخذها حزب الله على عاتقه من خلال الكشف عن بعض تقنيانه الأمنية السريّة.

اماّ الإحتمال الثالث والأخير، فهو ان يكون السيد نصرالله يختلق إتهاماتٍ وهمية ويُثير قضايا من عدم، على غرار ما يُسمّى بـ "شهود الزور" ، وذلك بغية الإمعان في تضليل الرأي العام، والتشويش على التحقيق. وهو الإحتمال الأصّح.

ويختم السيد نصرالله بالدعوة الى وقف التعاون مع التحقيق الدولي والمحكمة الدولية، مُشككاً بكل الآليات الرسمية المُتبّعة، وهو بذلك يكون قد انقلب على كل مواقفه الماضية، ونكث بتعهدّاته وتملّص من التزاماته السابقة، إن لجهة نسف مقررات طاولة الحوار ومضمون البيان الوزاري، او حتى لجهة نقض "وثيقة التفاهم" مع العماد عون التي وقّع عليها السيد نصرالله بخطّ يده، والتي شددّت في احد بنودها- بند "المسألة الأمنية"- على "اهمية استمرار التحقيق وفق الآليات المقررّة رسمياً وصولاً الى معرفة الحقيقة…".

مهما يكن من امر، فإن السيد حسن نصرالله، وبالرغم من كل التناقضات والأضاليل، لا يزال حتى إشعارٍ آخر يُعتبر بنظر مؤيديه رمزاً للصدق والشفافية، ويُنظر اليه كنموذجٍ حيٍّ يُقتدى به لجهة قول الحقيقة الصرفة، حاله في ذلك حال معظم الزعماء الشعبويين الذين احاطوا انفسهم بهالةٍ من السموّ التي بلغت حدّ القدسية، بالرغم من ان علاقة هؤلاء بشعوبهم كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة ومبدأ المحاسبة. امّا كيف انتهى الأمر بهؤلاء، فذلك بحثٌ آخر…!!!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل