لم تتظهّر بعد صورة أي مخرج لأزمة الاستنزاف الداخلي المستمرة، ولا شيء يوحي بظهورها قريباً بالرغم من المساعي والاتصالات، السياسية والديبلوماسية، المحلية والإقليمية الناشطة جداً هذه الأيام، والتي توازيها مساعٍ، ناشطة أيضاً، لسدّ الفراغ السياسي الداخلي بـ "محاكاة الفتنة".
ما هو حاصل، بحسب البعض يظنّ أن الانكسار والارتكاس الراهن في الحالة اللبنانية، إنما هو نتيجة الصراع بين الأطراف، بالسياسة والحجّة عند طرف، وبالتهديدات الكلامية، أي العنف اللفظي مقدّمةً للعنف المادي عند طرف آخر، وفي ذلك إعلان أو تلويح- بأن الحلول السياسية قد انتهت، وأن الأمر صار إلى منطق المليشيات لتحسم بالعنف ما لم تتمكن من حسمه بالسياسة والتفاوض، وكل ذلك يوصل إلى مزيد من الاستنزاف وتفكك الدولة وتهديد الاستقرار على مستوى الداخل، لكنه أيضاً ينتهي إلى فشل أمام الخارج، يوصل لبنان سريعاً للتصنيف المتقدّم على لائحة الدول الفاشلة.
والواقع أن ثمة أسئلة جوهرية لا بدّ من مقاربتها في ظل تطورات وتحولات دراماتيكية محلياً وإقليمياً، فكل المؤشرات تؤكد بأن لبنان مهيأ للحرب أو الفتنة الداخلية أكثر منه لأي شيء آخر، خصوصا ان الجهات القادرة على ذلك هي التي تتحكم بقرار التصعيد الداخلي، وكل الوقائع والتسريبات تثبت أن نار التوتير الممنهج في البلد تشق طريقها نحو ترجمة ميدانية لضرب الاستقرار وهزّ السلم والعبث بالأمن لأتفه الأسباب، في حال قرر من يملك القدرة والجهوزية والدوافع والذرائع ذلك.
ذلك أن الكلام الكثير الذي قيل ويقال وسيقال عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مساراً وقرائن ومعطيات وخيارات واحتمالات، لا يخرج في نتائجه عن أحد احتمالين، إما التمسك بها، أي تأكيد حق أولياء الدم ومعهم اللبنانيون بمعرفة حقيقة من قتل، وحرّض، وخطط، ودبّر، وسهّل، ونفّذ الجرائم، وبإحقاق العدالة ولو لمرة واحدة… لكن دون ذلك، تهديد وتخوين وتلويح بالفتنة والانقلاب.
أما الاحتمال الثاني، فهو افتراض نجاح "حزب الله" وحلفائه، في حمل اللبنانيّين والحكومة ورئيسها على مقاطعة المحكمة الدوليّة "ضناً بموجبات حفظ الاستقرار!"، وعلى دفعهم لاتهامها بالتسييس والتنصل المسبق من نتائجها كافة، مع ما يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات.
في الاحتمال الأول، تبرز التسريبات، كالتي نشرتها قبل أيام صحيفة محلية، بطريقة موتورة، رخيصة تخالف أدنى معايير الأخلاقية المهنية أو الشعور بالمسؤولية السياسية والوطنية، عن خطّةٍ أعدّها "فريق رئيسي في المعارضة" للاستيلاء على البلد بمؤسساته ومرافقه "دون إراقة الدماء" في حال صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وهذا الكلام إلى كونه ينمّ عن عقلية مريضة، شبه توتاليتارية، هابطة، يستدعي موقفاً من أجهزة الدولة الأمنية والقضائية، لأنه تحريض واضح وصريح على الفتنة، وحضّ على الاقتتال الداخلي، وإثارة للنعرات الطائفية؛ والسكوت عنه، تحت أي ذريعة، إدانة لكل أجهزة الدولة المكلفة حفظ الاستقرار وأمن المجتمع وسلامة المواطنين.
لكنه أيضاً، يستدعي موقفاً من "حزب الله". فالحزب، وهو الفصيل الأساس في المعارضة – مطالبٌ بالتوضيح حول هذا الهرج، لأن عدم نفيه هو إقرار منه بالتورّط مباشر بهكذا مؤامرة، أو بتقدير آخر أنه مستفيد منه، وفي كلا الاحتمالين ما يسيء إلى الحزب وصورته وموقعه.
أما في الاحتمال الثاني، فثمة إجماع عند العقلاء، بأن مقاطعة المحكمة أو مجريات عملها شبه مستحيلة، وأي تحرك في هذا الاتجاه سينتج عنه قطيعة مع ما يُعرَف بالشرعيّة الدوليّة ومؤسّساتها، في الحدّ الأدنى، أو اعتبار المجتمع الدولي الدولة اللبنانية عاجزة عن اتخاذ أي قرار بفعل الضغط أو الترهيب وهذا يفتح الباب على مواقف وقرارات لا يؤخذ رأي لبنان فيها، وكل ذلك يفضي إلى التعامل مع هذا البلد من خارج الأعراف والتقاليد المتبعة مع الدول ذات السيادة.
لا جدال في أن لبنان واجه ولا يزال على امتداد السنوات الأخيرة كل عناصر التأزم والتي باتت تهدد بالتحول إلى مشهد تفكك دراماتيكي، من المشكلة الاقتصادية وغياب التنمية وسوء الإدارة، إلى عرقلة عمل الحكومة تحت عناوين التوافق، وصولاً إلى هشاشة السلم وتكاثر السلاح وعدم الاحساس بالمسؤولية والتلويح بضرب الاستقرار وتهديد غالبية اللبنانيين، من دون إغفال الحرب على المحكمة الدولية، وهي بمجموعها مشكلات انبنى بعضها على بعض، واستفاد بعضها من بعض، ولكنها في النهاية عززت الانقسامات الداخلية التي تحولت إلى انشقاقات وتمردات على السلطة وأجهزة الدولة، وباتت الآن تهدد بتحويل هذا البلد إلى دولة فاشلة…. فإذا ما أضيف لكل ذلك التمرد على الشرعية والمجتمع الدولي صارت دولة مارقة.
ولأن "الاهتمام" الدولي بمثابة سيف ذي حدين، في الأهداف والغايات والاحتمالات المفتوحة، فإن للبنانيين مصلحة أكيدة في أولوية الاهتمام بتعزيز سلمهم الداخلي وتوسيع دائرة التشاور والحوار والشراكة في التفكير الايجابي توصلاً إلى استراتيجية في العمل لمواجهة كل التحديات، على قاعدة العدالة القطعية بشكل يتوازى ويتلاقى مع الجهد العربي القائم للحفاظ على الاستقرار الداخلي، والابقاء على لبنان عنصراً إيجابياً في صون المصالح العربية في المرحلة المقبلة، بديلاً من الاستنزاف والانزلاق الى مستنقع مهلك. وهكذا تقطع الطريق على الفتنة أو حتى على محاكاتها الكترونياً.