حتى لو توجّه الرئيس ميشال سليمان ليجلس وحيداً اليوم الى طاولة الحوار، التي يغيب عنها "المتحاورون" من غير شر، بعضهم لأسباب معروفة تتصل بالغياب، وبعضهم لأسباب معلنة تتصل بالتأزيم، وبعضهم لأسباب مضمرة لكنها مفضوحة تتصل بالمراهنة على خراب قد يستولد فرصة جديدة تتصل بأحلام الفخامة، ولو على طريقة عز بعد فاقة الامير علاقة… حتى لو حصل هذا الامر، فإن "جلسة" اليوم لن تكون اقل نجاحا من مسلسل الجلسات الحوارية التي عرفها هذا الشعب اللبناني السعيد من قبل!
منذ تفتقت افكار الرئيس نبيه بري عما سمي حينه "طاولة الحوار" وقد قيل الكثير في حينه عن شكلها البيضاوي ومقاعدها واعمالها والمسؤوليات، الى ان تحولت "الطاولة" "هيئة وطنية للحوار"، لم تستطع ان تقدم شيئا يفرج الكرب الزائد الذي يمسك بخناق اللبنانيين، لا بل انها زادت من يأس الناس وقرفهم المفعم بمرارة السخرية، عندما تبين تكرارا ان ما يقوم به خشب الطاولة ومسامير المقاعد يتقدم كثيرا على ما قام ويقوم به الوافدون الجالسون سعداء اليها، وما نطقت به ألسنتهم الطافحة بالوطنية والمحبة والتواضع والحرص على البلاد والعباد.
❑ ❑ ❑
الآن ومع بلوغ الاحتقان حدود الخط الاحمر، حيث تتزايد الخشية من انفجار يولد فتنة لا نعرف كيف تبدأ ولا كيف تنتهي، كان من الضروري لا بل من صلب المسؤولية وتحسس الواجب الوطني، ان يشدد الرئيس سليمان ومن موقعه، على ضرورة ان تشكل جلسة الحوار متنفسا للناس، ان اظهرت ولو شكلا ان فرسان تلك الطاولة البائسة، ما زالوا على الاقل يتجاذبون اطراف الحديث وإن كانت ادمغتهم محشوة بالبارود وقلوبهم غابات من السكاكين.
ولكن "الحوار" كان مقطوعا في عز الكلام عند تلك الطاولة الحزينة، لان البلاد امام طرشان والمسؤولية امام عميان والحس الوطني سقط من زمان. حتى هذا الحوار الخادع والمخدوع يتوقف الآن امام اشتراطات ومطالب عرقوبية.
اذاً، لا بأس ان يذهب رئيس الجمهورية وان يجلس في غياب الغائبين، وان تبلغنا وسائل الاعلام بما قال او اراد ان يقول.
❑ ❑ ❑
واذا كان مستشاره السياسي ناظم الخوري قد تمنى امس ان لا تكون مقاطعة البعض استهدافا او محاولة لوضع شروط على الرئيس، فإن الواقع البسيط يؤكد ان المقاطعة تريد فرض شروط على البلاد والعباد وعلى الدولة، وهذا يعني ضمنا محاولة فرض شروط على الرئيس.
طبعا "الحوار ليس خيارا بل ضرورة وخصوصا في الظروف الراهنة"، ولكن اين، ايها الصديق ناظم يمكن يقع مثل هذا الكلام، عندما يقرأ اللبنانيون سيناريوات الاجتياحات والاقتحامات والسيطرة على الدولة والمناطق والشخصيات، تارة في التحليلات واخرى في التصريحات، وكل ذلك على خلفية السعي لاسقاط القرار الاتهامي وانهاء المحكمة الدولية، ولكأن هذا القرار سيصدر يوم يصدر من بيروت او صيدا او المختارة او المتن او كسروان او طرابلس، او لكأن المحقق دانيال بلمار نسخة منقحة من الشاعر لامارتين يجول في لبنان ويكتب!
في عودة الى جلسة "الحوار"، نقول انه لم يكن ما نشرته "النهار" امس عن مواقف متوقعة للرئيس سليمان في جلسة اليوم، يضير احدا وخصوصا الرئيس، سواء كان من المصادر او من الروحية والتوجهات المعروفة.
ومن حق سليمان في مطلق الاحوال، وهو المؤتمن على البلد والدستور ان يصرخ مطالبا فرسان طاولة الحوار، باحترام التزاماتهم وبعدم التلهي بالنزاعات مع تشديده الضروري على ان الخلافات ايا تكن يجب حلها بالتعاون والتفاهم بدلا من التنازع والانقسام.
واذا كان يريد لهيئة الحوار الوطني ان تبقى فمن حقه التذكير بضرورة التزام كل القرارات السابقة التي اتخذتها والدعوة الى العمل على تنفيذها وتذليل العقبات امامها، ومن هذه القرارات المحكمة الدولية، والا فليس عليه الا الاقفال على الطاولة بالشمع الاحمر، بعدما اقفل اهل 8 آذار على الحوار بالشمع الاحمر ايضا!