الحسابات الجدية إقليمياً وداخلياً تبرز صورة مختلفة للأخطار
هل هناك استسهال في الكلام عن اتجاهات انقلابية ؟
لا يوفر السفير الايراني في لبنان غضنفر ركن ابادي فرصة منذ اعداده لزيارة الرئيس محمود احمدي نجاد اخيرا للبنان من اجل التأكيد انه لا يتوقع انقلابا على الوضع او انفجاراً امنياً في لبنان وان الامور ستذهب الى التهدئة والاستقرار على نحو يناقض الى حد بعيد الاجواء التي يوحي بها "حزب الله" في خطابه او في اعلامه . ويفترض من يعتقد بان هناك مونة كبيرة لايران على "حزب الله" باعتباره المعني بالقيام انقلاب او اي امر اخر اعتراضا على المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ان هناك حدودا رسمتها ايران للحزب لن يكون سهلا تخطيها من دون موافقتها انطلاقا من اعتبارات عدة معروفة او ان ليس من مصلحة ايران الايحاء بانها تشجع على اي انقلاب في لبنان او اي حركة عسكرية تؤثر على نظامه. الامر الذي يعني ان هناك تبعات اقليمية ودولية بالغة تدركها ايران على نحو جيد وتتعاطى معها على هذا الاساس. ولا تستهين مصادر ديبلوماسية وسياسية بالضغوط الكبيرة التي يتعرض لها الوضع في لبنان من جانب الحزب وحلفائه المحليين والاقليميين على خلفية الموقف من المحكمة والتي تترجم تعطيل عمل الحكومة والمؤسسات وصولا الى تعطيل جلسات الحوار برئاسة الرئيس ميشال سليمان علما ان هذا التعطيل لا يقتصر على التأثير على مصالح فريق الاكثرية وجمهوره من دون باقي الافرقاء وجماهيرهم المؤيدة بل يطاول مصالح جميع اللبنانيين في كل المناطق ومن كل الفئات والطوائف والذين يئنون تحت وطأة انشغال المسؤولين بحروبهم السياسية العبثية عن الاهتمام بشؤون الناس ومطالبهم. الا ان هذه المصادر تتساءل عما اذا كان هناك استسهال في الكلام على سيطرة او انقلاب على النظام في لبنان او على الامساك بالوضع فيه نظرا الى المترتبات البالغة الخطورة ليس على الصعيد اللبناني المحلي بل على صعيد الحسابات الاقليمية للدول المعنية بالافرقاء في لبنان وبما يعنيه لهم.
فالوضع صعب لا بل خطير الى حد بعيد في ضوء احتمالات التصعيد السياسي او احتمالات اللجوءالى العنف. لكن احداً لا يناقش امكانات "حزب الله" او قدراته العسكرية التي يتحدى بها اسرائيل التي هي اقوى من لبنان باضعاف لكن هذه المصادر تتساءل كيف يمكن الحزب ان يتساهل ازاء كلام يوحي او يتحدث عن امكان تحويل سلاحه الذي قال دوما انه موجه للدفاع عن لبنان ضد اسرائيل وليس موجها للداخل نحو السيطرة على المؤسسات في الداخل؟ فهذا كلام يسيء اليه في الدرجة الاولى وهو الذي رد بعنف على التقرير الاخير للامين العام للامم المتحدة بان كي مون عن القرار 1559 كما فعل سابقا بالنسبة الى هذا القرار الذي يعتبر الحزب ميلشيا ينبغي نزع سلاحها وتسليمه للدولة اللبنانية لان هذا الكلام يعني انزلاقاً عن وضع "المقاومة" الى ما يرفضه الحزب علنا حتى لو ان الامر يتصل بالدفاع عن نفسه ازاء قرار ظني مفترض سيصدر عن المحكمة الدولية. فاذا لجأ الحزب الى الخيار الذي يتم الحديث عنه قد لا يهمه كثيرا التوقف عند هذا التحول لانه قد يبرر ذلك بانه سيحول لبنان كله الى مقاومة لكن صورته الراهنة تأثرت كثيرا حتى الان نتيجة هذا الكلام خصوصا حتى لو لم يتم اللجوء الى العنف في الداخل.
وتتوقف هذه المصادر عند نقطتين في طبيعة المنطق الذي يستسهل الحديث عن تغيير الوضع بالقوة وتخويف اللبنانيين تتصلان بوضع الحلفاء الاقليميين للحزب اي سوريا وايران ومصلحة كل منهما في حصول امر مماثل. فبالنسبة الى ايران تثار تساؤلات كثيرة قد يكون من ابرزها اذا كان انكشاف الوضع اللبناني على سيطرة حزبية مؤيدة لها على مؤسسات الدولة لن تطلق يد اسرائيل او تشجعها على توظيف الفرصة من اجل القيام بما تطمح اليه منذ وقت ليس قصير اي شن اعتداء على المفاعلات النووية الايرانية في ظل انشغال عن الجبهة الشمالية لاسرائيل بالوضع الداخلي فضلا عن امكان تحول دول الخليج في ظل احتمالات من هذا النوع الى التساهل مع عبور الطائرات الاسرائيلية لاجوائها لضرب المفاعلات الايرانية علما انها وقفت ضد اي احتمال سابق من هذا النوع ولا تزال وان كانت تعترض وتستاء من التوسع الايراني في بعض دول المنطقة. فالوضع في العراق مأسوي وصعب بناء على محاولات التأثير الايراني في فرض الحكومة التي تناسب ومصالحها والتي لا توافق عليها الدول العربية المؤثرة. وهذا الوضع يشكل نموذجا لا يمكن تجاهله ازاء احتمالات قبول تغيير الوضع في لبنان قسريا على النحو الذي حصل في العراق.
وتثار مسائل مماثلة بالنسبة الى مصلحة سوريا في حصول امر مماثل ولو انه بدت في كلام الرئيس السوري اخيراً ايحاءات تصب في هذا الاطار من خلال كلامه عن الانعكاسات المحتملة للقرار الظني للمحكمة. ومع ان كثرا يأخذون في الاعتبار طموح سوريا الى الامساك بالوضع اللبناني كما قبل 2005، فان هناك علامات استفهام كبيرة حول السيناريوات الممكنة التي تسمح بذلك وتلك التي لا تجعل من لبنان عراق اخر يبدو النفوذ السوري فيه واقعا ولكن محدودا في ظل سيناريوات السيطرة التي يتم تداولها اعلاميا وسياسيا.
وهناك عوامل اخرى داخلية لا تقل اهمية قد يكون اهمها ان العنف لن يغير القرار الظني بل سيفتح ابواباً جديدة على مخاطر كبيرة لا مجال للدخول في تفاصيلها. لكن هذا كله في حسابات تقول انها تعتمد المنطق البسيط للمعطيات السياسية ليس الا.