#adsense

“حوار” و”حرادين”!

حجم الخط

كان "حسين" يركز محاولا فهم النظريات الفلسفية الصعبة المجبر على دراستها في آخر أعوامه المدرسية، وهو شديد الغرام بطرح الأسئلة "الجدلية" العويصة التي لا توصل إلى مكان، إلى أن قررت إجباره على الكف عن طرح الأسئلة حرصا على صحتي العقلية….

بالأمس فاجأني حسين بسؤال أيقظني على واقع لبنان المخيف، الشباب الذين قرروا صرف النظر واختصار حال البلد بأنه "لا أمل"، كأن رأسي "رُضِخ" بصخرة قاسية… سألني حسين ولأول مرة ببراءة كلية لا رائحة تعجيز فيها: "في أمل إنو لبنان يصير منيح"؟ ثم أردف: "إنو في أمل يصير أخضر"؟ وعلى عادته في طرح أسئلة "الجدل البيزنطي": "السؤال الحقيقي… في أمل إنو لبنان يصير عندو دولة"؟!

عجزت عن إجابته وطالبته بالعودة إلى "نظريات واطسون وكوندياك وبرادين"، كانت الوسيلة الوحيدة للهرب من سؤال لا أملك جوابا عليه لأنني لم أطرحه سابقا على نفسي، ولم اصطدم بواقع وجود مسافة هوة بيني وبين لبنان، ربما كان السؤال الحقيقي الذي علي أن أطرحه: ما الفرق بين جيلي الذي عاش الحرب على أصول بشاعتها في لبنان، وجيل حسين الذي سمع عنها منا ويعيش حرب انقسام سياسي لم يتورط إلا قليلا في حروب الشوارع، من "الآخر" من حيث انتهت الحرب؟

هذا واقع لبنان في وقت ما زالت فيه سلسلة من الزعماء تتوارثنا كشعب "أبا عن جد"، وما زال واقع لبنان لم يتغير فالطوائف بالدور تسعى للسيطرة على لبنان، ولم تتعلم طائفة من هزيمة أختها التي سبقتها، أما الأدهى والأمر فهو "الدعوة إلى الحوار" منذ ما يزيد على نصف قرن، نصفها كان سؤالا محوريا في الحرب الأهلية: لبنان عربي أو ذو وجه عربي؟ ويبدو أن نصفه الآخر سيكون في "استراتيجية دفاعية" تحسم أمر وجه وموقع لبنان وهل هو عضو في الجسد الإيراني، ووجهه "ولاية الفقيه"؟

ويحدثونك عن الحوار؟ وفي بلد النكايات "تطيير بتطيير"، في لبنان ليس الفيل وحده يطير ولا العنزة حتى الحردون يطير!! "الحرد" حضر تضامنا بالامتناع عن الجلوس إلى طاولة حوار هي مجرد "أكذوبة" من أكاذيب اللبنانيين على بعضهم البعض، وكله يحتاج إلى تسوية "مخرج" لائق!!

البلد يا جماعة ولد يحمل تشوه "خلقي" البلد مولود بلا "مخرج"، وهذا واقع مروع فانسداد الأفق اللبناني الدائم، والبحث الدائم عن تسوية مخارج قادني إلى الحصول على إجابة واقعية لسؤال "حسين" علينا أن نتعايش معها: "لا أمل في أن يصبح للبنان "دولة"، أما ما أزاح عن كاهلي عبء علاقتي بوطني، أننا منذ البداية كنا نعي حقيقة أننا "نتمسك" بلبنان، و"نتمسك" بالإصرار على أن نكون دولة، وحرة وسيدة ومستقلة، ولسبب شديد البساطة فمنذ البداية "الجغرافيا" تحاول أن تفرض نفسها كـ "قضاء وقدر" على لبنان!!

ما نعيشه اليوم أشبه بأحد أفلام خيال هوليوود الذي يستعيد "الديناصورات" عندما تهاجم مدينة ما، مع فارق بسيط أن البطولة في مشهد لبنان الهوليوودي لا تحتمل حجم الديناصور لأنه كبير، بالكاد تكتظ الشاشة بـ "الحرادين" وإن طارت وهاجمت وعضت وأصدرت أصواتا مزعجة، وصوت لبنان والفلسفة وأسئلة الشباب أعلى من أصوات "الحرادين"!!

> الأسماء الواردة في النص: حسين مواطن لبناني لم يتخط السابعة عشرة من عمره، موريس برادين 1874-1956م، قسيس و فيلسوف ايرلندي اشتهر بمذهبه في اللامادية، أهم آثاره كتاب المعرفة البشرية، جون برودس واطسون، (1878-1958م). عالم نفسي أميركي عرف زعيما لحركة ثورية في علم النفس تسمى السلوكية، ايتين بونو دي كوندياك رائد التنوير الفلسفي في فرنسا…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل