يصعب إقناع الناس بأن الحوار الوطني كان في أبهى حلله وأفضل خطواته الوئيدة ثم جاءت مقاطعة نصفية لإحدى جلساته وأمعنت فيه إفسادا لإنجازاته. كما يصعب إقناعهم بأن تأجيلا لاجتماع "حواري" إضافي في متاهة العقم المعروف والدوران في فراغ النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية، قد عطل هذه الدورة المعطلة أصلا بفعل أمر واقع لا يعود بته لأي من أهل الدار.
أذاً، في غمرة تأجيلات قهرية بدات تنسحب على السلطة التنفيذية نفسها عبر الهروب من المكتوب والقدر القاهر بتأجيل جلسات مجلس الوزراء، لا موجب للطم الخدود والوجوه وذرف الدموع والتباكي على مسار شكلي وهيكل مفرغ من مضمونه.
غير أن ما يمكن الاعتداد به في إقحام أزمة المحكمة الدولية في المسار الحواري يتصل بجانب لم يظهر بوضوح كاف بعد في تصاعد هذه الازمة، وربما تكون مقاطعة اركان واقطاب من قوى 8 آذار لجلسة الحوار الاخيرة نذيرا بكشفه، وهو الجانب المتعلق بإيلاء المقلب المسيحي حصة أكبر في الصراع السياسي تمهيدا لإعلان "الأزمة الكبرى" التي سيجري فيها إسقاط كل المواقع الوسطية وحشرها امام الخيارات الحاسمة والنهائية.
ذلك ان اي مداهنة لا تخفي الهدف المضمر لهذه المقاطعة وهو "معاقبة" رئيس الجمهورية على طول أناته في البحث عن مخرج توافقي لملف "شهود الزور" وتاليا تصعيد الضغوط عليه لحمله على التسليم بطرح الصراع في مجلس الوزراء "أبيض على أسود" ومسح كل "رمادي" ما بينهما.
ثم ان المقاطعة لم تأت الا برأس حربة مارونية ومسيحية حصرا عبر المبادرة الاولى اليها على يد العماد ميشال عون. والمفارقة في الامر ان المقاطعة اتسعت تحت عنوان "التضامن" مع عون لا استهدافا للرئيس، مما يعني ان قوى 8 آذار ارادت افهام رئيس الجمهورية وفريق 14 آذار ان عون لا يخوض حربه الخاصة لا في مقاطعة بعبدا ولا في محاربة "الحريرية"، بل هي حرب من ضمن منظومة الهجوم الشامل على المحكمة الخاصة بلبنان. وعلى اساس اعادة الفرز الحادة هذه، لن يبقى موقع دستوري او مؤسسة في منأى عن المعركة الكبرى، بدليل ان "حزب الله"، قاطرة قوى 8 آذار كلها، الذي غالبا ما سعى الى التوفيق بين دعم حليفه المسيحي الاساسي من دون قطع شعرة معاوية مع الرئيس، غامر امس بالتخلي عن هذه الحكمة.
بين هذه "التلاوين" المسيحية للصراع المتصاعد، ارتكبت قوى 8 آذار خطأ مزدوجا في "التكتيك" القتالي السياسي.
فهي في توسيع مقاطعتها المفاجئة لجلسة الحوار، بخلاف رئيس مجلس النواب نبيه بري وحده، بدت مرتبكة في تسويغ هذه المقاطعة، فلا هي وفرت "المعونة" التي يحتاج اليها عون لكي يبرر موقفه، ولا هي بدت ممتلكة لخطة واضحة وثابتة تعتمد توزيع ادوار متقن، على غرار ما دأبت على فعله. وفي منزلة بين الارتباكين اظهرت هذه القوى نقطة ضعف في رهانها على تعزيز التناقضات المسيحية وزيادة التفسخات اكثر من ثقتها في النجاح بالضربة القاضية او بتراكم النقاط لمصلحتها.
اما الجانب الآخر من هذا الخطأ، فيتمثل في الهدايا المجانية التي يدأب بعض رموز 8 آذار في تقديمها الى الخصوم المسيحيين للعماد عون، ولاسيما منهم "القوات اللبنانية". فثمة اصوات تبدو كأنها تعرف عن البيئة المسيحية ومنقلباتها مقدار معرفتها عن ابعد المجرات الفلكية، بدليل انها تردد معزوفات "الحسم العسكري" البائدة منذ حرب 1975 وما تلاها، وتقبع عندها، ظناً منها انها توفر اسنادا لحليف مسيحي في مواجهة "عدو" مسيحي مشترك آخر.
واذا كان يراد الزج بالمقلب المسيحي برمته في معترك المعركة الكبرى، فيمكن القول ان "واقعة" المقاطعة الباهتة لجلسة الحوار كشفت العنوان ولكنها ايضا كشفت الحسابات المتعثرة والشديدة الارتباك.