حماية اللبنانيين تتأمّن بوحدة القرارات الدولية وترابطها.. والإمبريالية ليست نمراً من ورق!
يفاخرون بشرور أين منها المحكمة
يفاخر البعض بالقدرة على الإتيان بشرور أكبر من تلك التي يريدون منع المحكمة الدوليّة من أن تنظر في أمرها. هكذا تراهم يدبّجون السيناريوهات عن انقلاب يطيح بالمعادلات اللبنانية، وبمؤسسات الدولة في لبنان، فيجري الإستيلاء على البلد بالعسف وبالقوّة ومن دون أي نقطة دم تذكر.
هذه السيناريوهات تعيد تذكيرنا بالمسألة الأساسية: المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان لم تنوجد فقط لإحقاق الحقيقة في معناها المقتصر على الكشف عن الإغتيالات الإرهابية المتسلسلة الحاصلة قبل بضع سنوات. وُجدت المحكمة أساساً بطلب من الشعب اللبنانيّ ولحماية هذا الشعب الأعزل من حرب سرّية متواصلة بأشكال عدّة منذ خمس سنوات. فإذا كانت معادلة "البعض" هي الإستقرار على أساس إلغاء المحكمة، تعلم أكثرية الشعب اللبنانيّ المعبّر عنها في يوم 14 آذار 2005 وفي كل عاميات 14 شباط من العام 2006 إلى العام 2010، والمعبّر عنها من خلال إنتخابات 2005 و2009، أنّ حماية الشعب اللبنانيّ تكون بالمحكمة، والحماية الأساسية لخط المحكمة الدوليّة تكون بثبات الأكثرية اللبنانيّة على المنطلقات الكيانية، الميثاقية، الإستقلاليّة، المعبّر عنها في مجرى خمس سنوات من الكفاح المرير ضد الممانعة الظالمة والجوفاء.
ليست طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية، ولا طبيعة المكونات السياسية والأهلية للنسيج الإستقلاليّ اللبنانيّ، من نوع بمقدوره الطلب من الأكثرية الشعبية التي ينبثق عنها التعبئة الدائمة المطلقة ليلاً نهاراً على امتداد الأعوام الخمس، وبديهيّ تماماً أنّ لا طاقة لأحد على ذلك. لكن، رغم كل شيء ثمّة معطيات حسّية ميدانية لا بدّ من أخذها في عين الإعتبار وأساسها أن شعب 14 آذار يدرك اليوم أكثر من أيّ وقت مضى أنّ المسألة لم تعد سلاحاً يجري الإنقسام حوله، وإنّما سلاح تشعر هذه الأكثرية بأنه موجّه ضدّها، ليس فقط سلاح بين المدنيين، إنّه سلاح ضد المدنيين من حيث هم مدنيون، وبالأخص إن كانوا مدنيين وكيانيين، كما تريدهم انتفاضة الإستقلال أن يكونوا.
لكن المدهش في هذا المجال أنّ الطرف التخوينيّ، التعنيفيّ، التدليسيّ، التنجيسيّ لأكثرية اللبنانيين، يهزأ بفكرة الإجماع على كل صعيد، فيتبرأ من الإجماعات التي سبق أن اعتقدنا انخراطه فيها، من الإجماع على نهائية الكيان اللبنانيّ إلى الإجماع على مساندة المحكمة الدولية إلى الإجماع على تحريم استخدام العنف في الداخل أو التهديد بذلك مجدّداً، وهذا الطرف يعتبر بأنّ هناك أموراً أساسية لا حاجة بها للإجماع، مثل احتكار فريق واحد للعنف من خارج مرجعية الدولة ومؤسساتها وأجهزتها. في المقابل، وبقدر ما يهزأ هذا الطرف من الإجماع، فيلغي ما انخرط فيه، وينكر ما لم ينخرط فيه، فإنّه يطالب بـ"إجماعات" بديلة، إلغائية للمحكمة الدوليّة.
فهذا الفريق، إذا ما أعرضنا جانباً عن سيناريوهات "الإنقلاب الأسرع من الدليفيري"، هو فريق يتصوّر بأنّ السبل المتبقية لإبعاد كأس المحكمة تكون بتحقق إجماعات إلغائية طارئة، سواء عنينا بذلك إجماعاً لبنانياً على إلغائها، أو إجماعاً عربياً بهذا الشأن، أو إجماعاً دوليّاً، ويخال أن سيناريوهات الرّعب يمكن أن تحسّ أحداً في لبنان أو في العرب أو في العالم على ذلك. ويتصوّر هذا الفريق من ناحية أخرى أنّه إذا اقترب من الإجماع العربي على فرط المحكمة، فإنّ الإجماع اللبنانيّ سيكون سهل المنال، والإجماع الدوليّ لن يعود بعيداً.
في أقل تقدير، هذا التفكير غير قابل للصرف لا لبنانياً ولا عربياً ولا دولياً، ما يعود بشكل أساسيّ لإثنين: السبب الأوّل، وحدة القرارات الدوليّة بشأن لبنان وترابطها، من القرار 1559 إلى الـ1680 إلى الـ1701 إلى الـ1757. والسبب الثانيّ، هو انحسار موجة الإنكفاء الأميركيّة والغربيّة عن المنطقة التي حصلت في أعقاب الأزمة الإقتصادية العالميّة وانتخاب باراك أوباما، فكما في كل مرّة فإنّ الوهم الصادح بأنّ "الإمبريالية نمر من ورق" هو وهم يكلّف أصحابه في نهاية المطاف الكثير الكثير، ويكلّف الشعوب المظلومة أكثر.