عندما يقال ان الحوار يجسد لغة انسانية راقية، هناك من يتصرف في لبنان ازاء هذا الموضوع وكأنه "حال نجسة" طالما ان البدائل في مستوى اسوأ انواع التوحش الانساني، حيث ثمة اصرار على تقديم طروحات من نوع الانقلاب والاحتلال وتحديد فترات زمنية لذلك. والمؤكد ايضاً ان من يستخدم هذه اللغة الدونية لا يملك سواها، وليس في وارد الارتقاء الى الافضل!
خلال طرح فكرة الحوار في ايلول من العام 2008، جاء من ينصح بصرف النظر عن الموضوع، لمجرد ان في البلد فئة تشعر بانها مميزة بعدائيتها (…) وبسلاحها.. وباستعدادها لان تقلب الاسود الى ابيض والعكس بالعكس، بحسب ما دلت عليه التطورات على الارض، خصوصاً بالنسبة الى محاولة اسقاط مؤسسات الدولة تعبيراً عن ان البدائل ليست لمصلحة المعارضة. وقد انقضى استحقاق الانتخابات النيابية ولم تنفع معها النتائج التي اصابت قوى 8 اذار في صميم جمهورها وهيبتها ومشروعها السياسي!
وبعدما تبين ان جلسات الحوار من بداياتها في شهر ايلول 2008 الى امس في الرابع من تشرين الثاني 2010 جاءت مقاطعة البعض من جوقة المعارضة لافهام من لم يفهم بعد ان "الحوار عملة مسحوبة من التداول" لاسيما ان بعضهم يفضل عليه لغة السلاح، ان لم نقل لغة القتل والانقلابات والاغتيالات، بدليل استمرار الحديث عن وجود استعدادات مشينة لتغليب لغة الهمجية على كل ما عداها، من غير حاجة الى من يستوعب الدرس الحواري من اوله جراء تصاعد نغمة التهديد والوعيد والاستفزاز، على رغم كل ما يقال عن ان ثمة من يتأثر سلباً بهذا التحول (…) لكن هؤلاء ليسوا كل البلد، في حال كان المقصود الدخول في تصفية حسابات بقوة السلاح!
يبقى الاهم من كل ما عداه، ان المحكمة الدولية لن تسقط لا بتهديد بعض مسؤولينا ولا بتوعد بعض مؤسساتنا، حيث تبقى حسابات مختلفة لا يمكن لاحد اعتبارها صفراً على الشمال، والادلة اكثر من ان تحصى مهما تفاعلت تنازلات بعض اركان الاكثرية حتى في مجال تفضيلهم مصلحة الوطن على حساب مصالحهم الشخصية، اضافة الى ان من فقدوا حياتهم على مذبح الوطن والشرف والوفاء في غير وارد التنازل عن حقوقهم لمجرد ان هناك دفقاً من التهديد المشوه المحتوى؟!
في معلومات مصادر ديبلوماسية مطلعة ان "من الخطأ الاعتقاد ان المهددين قادرون على تحقيق مشاريعهم وغاياتهم"، مهما استخدموا من اسلحة حربية ومن فتن وتهديدات. وفي المعلومات ايضاً انه لو لم يكن خوف من المحكمة لما كان هذا الاستقتال في السعي الى اسقاط مفاعيلها قبل ان تلفظ قرارها الاتهامي الذي اربك مجرمين بمستوى ارباكه من يظن ان بوسعه التأثير في مجريات القضاء الجنائي الدولي، والا "لن يكون معنى للتهديد بــ 7 ايار جديداً (…) ولا بالحاجة الى ساعتين فقط لاسقاط دفاعات احد اقطاب الاكثرية" ليس لان سمير جعجع قابع وراء خط "ماجينو – معراب" بل لان الرجل قادر ربما على اعادة خلط اوراق اللعبة السياسية بعدما اثبتت التجارب ان سنوات سجنه لم تنل من عزة النفس لديه … ولا اثرت في اعصابه وعلى منهجيته، كما حصل مع غيره!
لقد حفلت مناسبة الغياب عن جلسة الحوار امس بمجموعة اسماء لم يكن احد اصحابها يتصور انه يمكن ان يشارك في مثل هكذا مناسبة، حيث لا ثقل له ولا هو في العير والنفير، اذا استثنينا تحديداً حزب الله ورئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون الذي جاء تصرفه على خلفية تخوفه من انقضاء فترة التأزيم السياسي – الاقتصادي والاجتماعي – الامني من غير ان يقطف ثمار رهانه على تحالفه مع حزب الله، الذي تصرف بدوره وكأنه لا يريد الحوار، كونه يعرف ان رد مثل هكذا خطأ في التصور يضاهي تحدي المجتمع الدولي والاقليمي" الا اذا كان الحزب ينظر الى التطورات بمنظار الحليف الايراني الذي لم يعرف كيف يتعاطى مع الكبار الا بحسب طريقة فيديل كاسترو مع انه يعرف تماما كيف عاش الزعيم الكوبي وكيف يمضي البقية الباقية من ايامه وايام بلده المنكوب بثورة استفزازية زائفة!
ان ارث الثورة الاممية يستحيل ان ينطبق في هذه الاونة على ما يصدر من غباء مفتعل عن الادارات الاميركية المتعاقبة. وهذا الحاصل في العراق ومثله في افغانستان وفي بعض فلسطين يؤشر الى غباء اكبر واوسع مدى طالما ان من يفترض فيه فهم العلة الاميركية لا يرى منها سوى المصلحة الاسرائيلية، فضلاً عن ان المصلحة الاسرائيلية تبدو حاصلة من خلال الغباء العربي المنساق وراء لا مشروع لا يتضمن نظرة حالية ومستقبلية عاقلة!
وبالنسبة الى انقضاء جلسة الحوار امس من دون ايجابية تذكر باستثناء "ايجابية التذكير بان تكبير حجم التحدي لا يحقق غاية ولامطمعاً" والامر عينه بالنسبة الى الساعين الى لعب اوراق ورهانات بيع البلد الى من يؤمن مصالح البعض؟!