إنه النمط ذاته المتّبع من قبل فريق 8 آذار حيال كل شأن وطني عام منذ بداية هذه التشكيلة الغريبة: يُقاطع سياسياً اجتماع هيئة الحوار الوطني مثلما يَقطع ميدانياً طريق المطار أو طريق المرفأ أو مثلما يُعطّل الوسط التجاري لبيروت.
وذلك باعتبار أن هيئة الحوار الوطني مطوّبة في الدوائر الرسمية المعنية باسم رئيس الحكومة سعد الحريري وفريق 14 آذار حصرياً، ولذا وجُبت مقاطعتها تبعاً للخلاف القائم معهما في شأن ما يُسمى قضية "الشهود الزور" والمحكمة، بل في كل شأن آخر..
ويقطع طريق المطار، ويُعطّل وسط بيروت باعتبار أن ذلك المطار لا يُستخدم إلا من قِبَل فريق الرئيس الحريري! وأن كل المعنيين بالحركة الاقتصادية للمدينة ووسطها وأسواقها هم حُكماً من أنصاره! ولذلك أُقفلت الدنيا في وجوههم وخُرِّبت بيوتهم من خلال تخريب مصدر رزقهم!
وللقصة تتمة في مكان آخر. حيث العبث صنو لسياسة كيدية تفترض أن تعطيل الحياة في كل نواحيها هو أمر يخصّ الآخرين وحدهم. وأن فتح ثقب في السفينة سيؤدي الى غرقها بهؤلاء، فيما أصحاب المقدح يستطيعون العودة سباحة الى شاطئ الأمان!
أداء لا يزال أصحابه يفترضون أنهم يعيشون وحدهم. وأن "لا شيء" يجمعهم بمن يناصبهم الخلاف في السياسة وأترابها، حتى لو كان ذلك الشيء مرفقاً وطنياً عاماً خدماتياً أو سياسياً.. بحيث إن تعطيل الحكومة ومنعها حتى من إنجاز ما يهم كلّ اللبنانيين ومصالحهم وخدماتهم ومطالبهم في الإجمال هو أمر جلل يخدم خط الممانعة وجمهور الممانعة ولا يضير ويصيب بالضيم إلا الفريق الآخر وجمهوره الذي يستحق كل بليّة ممكنة أو مفترضة! هكذا مثلاً يصير صرف اعتماد لتزفيت طريق في أعالي بلاد جبيل غير مرغوب لأن ذلك لن يفيد إلا أصحاب القرار في واشنطن مباشرة! ومن دون تلك الطريق والزفت الذي سيصبّ عليها لن يتمكن هؤلاء من تركيز جلّ اهتمامهم على كيفية إنضاج المؤامرة الموصوفة على المقاومة وأهلها!
واقع الحال المقيم منذ أكثر من خمس سنوات يشتمل على تفاصيل كثيرة، كبيرة وصغيرة ومتوسطة الحجم والتأثير، غير أنها كلها من دون تمييز أو تفصيل تؤشر الى ذلك النمط النهج الذي تتبعه عادة، وبصورة مألوفة معظم الحركات المتصدّية لمهام مقاومة إسرائيل في غزة ولبنان وأميركا في العراق، بحيث إن تلك المقاومة لا تستقيم من دون حماية ظهرها. وتلك الحماية لا تستقيم من دون "تنظيف بيئتها". وذلك التنظيف لا تنفع معه المطهّرات التي تستخدم في العادة لجلي الصحون والطناجر، بل يحتاج الى حديد وبارود وخردق! والنتيجة الفضلى الأخيرة والوحيدة هي تدمير الكيانات السياسية والوطنية: السلطة والنظام والدستور والقانون. ثم الأخطر تدمير النسيج الأهلي القائم طائفياً ومذهبياً وفتح أبواب الجحيم على مصاريعها!
"المشكلة" الوحيدة، هي أن ذلك النمط النهج لم يتمكن حتى اللحظة من تحرير سنتمتر واحد من فلسطين، فيما تكفّل بالنيابة عن إسرائيل في تخريب وتفتيت وتشظية كل بنيان يمكنه فعلياً التصدي لها ولمشاريعها!