اذا كان صحيحاً – ويبدو انه صحيح – ان الذين قاطعوا جلسة الحوار التي حدّد رئيس الجمهورية تاريخها، وابلغ جميع اعضاء هيئة الحوار بهذا الموعد منذ اكثرمن شهر، ولم يعترضوا، ولم يعتذروا، فهذا يعني ان المقاطعين، وهم من فريق واحد، لا يستهدفون تطيير الجلسة كردّ على عدم انعقاد جلسة مجلس الوزراء يوم الاربعاء الماضي، بسبب غياب رئيس الحكومة سعد الحريري، بل انهم يستهدفون مباشرة الرئيس العماد ميشال سليمان، وتوافقوا على هذا الاستهداف، بعد حادث العيادة النسائية في الضاحية، والدعوة الى مقاطعة المحققين الدوليين والمحكمة الدولية من اجل لبنان، وقد تكون احزاب وقوى 8 آذار توقعت ان يسارع رئيس البلاد الى اعلان موافقته على ما حدث، على غرار ما فعل النائب ميشال عون، وان يضرب بعرض الحائط علاقات لبنان بالمجتمع الدولي، وبمجلس الامن والامم المتحدة والقرارات الصادرة عنهما، ويتجاهل الاتفاقات والمعاهدات التي عقدها لبنان مع دول صديقة وشقيقة، ويمحو بشحطة قلم ما نص عليه الدستور والقوانين والبيانات الوزارية، واهم من كل هذا ان ينقلب على مضمون قسمه الرئاسي وعلى خطبه في مناسبات عدّة، وان ينسى انه رئيس توافقي ينظر بعينيه الاثنتين للامور وليس بعين واحدة كما يحلو للبعض ان ينظر، وان يرضخ لمطالب واهواء لا تطيح بنظامنا القضائي وحسب، بل قد تطيح بالبلاد، اذا لم يتم معالجتها بصبر وهدوء وحكمة، بحيث ان هذه المعالجة العقلانية قد تفرض تأجيل البحث في موضوع معقّد وخطير، او تفرض التوافق بدل اللجوء الى خيارات من المؤكد انها ستهزّ الحكم والحكومة والدولة، وتدخل البلاد في المجهول.
ليس الرئيس سليمان من يسلك هذا المسلك، خصوصاً وانه منذ انتخابه رئيساً للبلاد، يدرك تماماً انه رئيس بلد يعيش منذ سنوات على خط الزلازل الداخلية والاقليمية والدولية، وان قدره ان يعبر بلبنان الى الضفة الآمنة وسط حقول من الالغام والمعوقات، ولذلك فان اهمية الرئيس سليمان انه وضع خريطة طريق لعهده تقوم على قاعدة الاّ يكون قاسياً الاّ في مواجهة اعداء لبنان، ومن يريد ان يسقط الدولة والكيان والعيش الواحد، والاّ يكون ليّناً الاّ مع الذين يتحمّلون مسؤولياتهم في سبيل المصلحة العامة بعدما قرروا ان يكونوا شركاء في الحكم، وعندما توجّه اليه احياناً انتقادات من قوى 14آذار، وانتقادات ومقاطعة واحياناً اتهامات من قوى 8 آذار، فهذا دليل قاطع على ان هذا الرئيس الذي يحمل اعباء مسؤوليات جسام، هو على حق وصواب في مواقفه التي لا تنبع الاّ من حرصه على السلم الاهلي وعلى مصلحة لبنان واللبنانيين، وفي هذا المجال لا بد من قول كلمة الحق، ان المدعوّين الى طاولة الحوار وقاطعوا بعيداً عن اللياقات المفروضة، وخلطوا بين جلسات مجلس الوزراء التي تعنى بشؤون الناس، وجلسات الحوار التي تعنى بقضية الوطن، يشرّفهم ان يكونوا ضيوفاً على رئيس الجمهورية في قصر بعبدا، ومحاورين على طاولة حوار برئاسته، امّا القول بأن مقاطعتهم لا تستهدف رئيس الجمهورية، فنكتفي بأن نقول، انه قول غير دقيق، لأن مراجعة ما صدر عن بعض مَن كانوا نواباً او وزراء، وبعض من هم اصوات اسيادهم، تبيّن ان مقاطعة طاولة الحوار، جزء من خطة للتصويب على رئيس الجمهورية، متوهّمين انهم بهذه الطريقة يحيّدونه عن اخذ المواقف الصحيحة، وهذا الامر من سابع المستحيلات.
* * * * *
عندما انتقد الدكتور سمير جعجع رئيس الجمهورية لتمسّكه بما نصّ عليه البيان الوزاري حول الثلاثي الجيش والشعب والمقاومة، ارتفعت اصوات في التيار الوطني الحر، تندد بجعجع معتبرة ان انتقاده هذا يضعف رئاسة الجمهورية، اما مقاطعة جلسات الحوار التي يحضنها الرئيس سليمان ويعلّق عليها اهمية كبيرة للخروج بتوافق على استراتيجية دفاعية لحماية لبنان تكون مفصلية وتاريخية لو ينجح الوصول اليها، فهي موقف «يعزز» رئاسة الجمهورية و«يقوّي» معنوياتها وتأثيرها في السياسة المحلية!!!
واذا كان موقف العماد ميشال عون من اي رئيس ماروني مفهوماً، و«غيرته» غير الطبيعية، حول موضوع شهود الزور، مغفورة لألف سبب وسبب، ولكن ان يتضامن النائب محمد رعد مع العما دعون، ويقاطع الحوار في قصر بعبدا وهو برئاسة من كان وما زال، في قيادة الجيش وفي رئاسة الجمهورية، وفي اي ارض حلّ فيها، الصوت الصارخ في وجه اسرائيل، وفي الدفاع عن المقاومة، الى حد انه قال مرة، وخارج لبنان، انه يحمي المقاومة بأشفار العيون، فهذا امر يصعب تصديق حصوله، مهما كانت اسبابه واهدافه ودوافعه.
على الرغم من كل ما جرى، فمن المؤكد ان الرئيس سليمان بما يملك من قدرة على الاستيعاب والتسامح، وبما يتمتع به من منطق رجال الدولة، سيتجاوز كل اساءة شخصية تلحق به، بشرط الاّ تطول هيبة الرئاسة، ومصلحة الدولة، وحقوق الناس وامنهم وسلامتهم واستقرارهم، وخصوصاً بعد عصفورية السيناريوهات والتسريبات التي يطلع بها من لا ضمير عنده ولا وطنية والتبشير بحمّامات الدم.