23 كانون الثاني 2007 ذاك اليوم الأسود المشؤوم، يوم أحرق "الوطنيون" الشوارع والساحات بقصد إسقاط الحكومة والدولة معاً، وبعده الاعتصام الحضاري والراقي في وسط بيروت بالتزامن مع إقفال مجلس النواب وتعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، ومحاصرة السراي الحكومي، واجتياح بيروت في 7 أيار "المجيد"، واستباحة الكرامات والمحرّمات وانتهاك الأعراض وسقوط الضحايا بالعشرات، وبعده اتفاق الدوحة الذي انتزع فيه "الطرف المسلّح" توقيعاً غير معلن على تشكيل أي حكومة خلافاً للدستور، تحت "وطأة السلاح" حيث اطمأنوا إلى أكثر من الثلث، وقبله أحداث عائشة بكّار وخط جبل محسن – باب التبانة، وبعده أحداث برج أبي حيدر حيث تناغش رفاق السلاح بالسلاح، ثم الانتقال إلى ملف شهود الزور والتصويب على المحكمة والقرار الظني معاً في كل المراحل، وبعدها حادثة العيادة الطبية النسائية في "الضاحية الأمنية" التي اجتاحها مجاهدون برداء النسوة لمنع أعضاء لجنة التحقيق من الاستحصال على بعض الأرقام الهاتفية حفاظاً على شرف الأمة، هذا الشرف المرتبط عضوياً بهذه الأرقام، وصولاً إلى التصعيد بعد زيارة "الحاكم نجاد"، وأخيراً تعطيل جلسات الحوار المعطّل أساساً بفعل النوايا غير البريئة، وليس انتهاءً باجتياح معراب على يد "نابوليون الشرق"…
كل ذلك عرضته باختصار للوصول إلى نتيجة مفادها أنه وإن تمّ إقفال ملف كما يحلو لهم، سارعوا إلى فتح مئة ملف وملف وهكذا دواليك، دوّامة ليس لها نهاية، على قاعدة التذرّع بالشجرة التي تخفي خلفها الغابة. فهم يدرون أن هذا السلاح الموجود بحجة مقاومة إسرائيل، بات لزوم ما لا يلزم عدا استخدام هيبته ورهبته في الداخل للإطباق على تعديل الدستور قبل أن تنتهي "شرعية" هذا السلاح ويصبح منتجاً فاقد الصلاحية، فبذلك يتمّ الإستفادة منه بفرض واقع أمني جديد يتمّ التحضير له، وبعده طاولة حوار جديدة، ربما في الطائف أو الدوحة أو غيرها، وتتمّ ترجمة هذا الواقع وهذه العراضات المسلحة والبهورات الإعلامية إلى نصوص دستورية تقضي باعتماد "المثالثة الفعلية" بدلاً من "المناصفة الوهمية"، وهنا البيت القصيد. ويُكلّف الرفيق النائب ميشال عون الترويج لهذا الإنجاز التاريخي كما روّج للسلاح غير الشرعي وجعله مقبولاً لدى شريحة من المجتمع المسيحي، على أن تتمّ ترقيته إلى "رتبة الفخامة"، وكلّه مضمون، إنما على الوعد يا كمّون.
نعم، فهم يناورون ويضللون حتى باتوا أشداء في التمويه حيث يفبركون ألف مادة ومادة والهدف واحد هو أنهم قد "وعدوا الشيطان بالجنة" مقابل أن يقوم هذا الشيطان بالترويج والتمهيد للمثالثة التي تؤدي بالمسيحيين إلى اعتبارهم مواطنين فئة ثانية أو أهل ذمة. والمؤسف أن مَن يدّعي تمثيل هؤلاء المسيحيين قد ارتضى هذا السيناريو مقابل "الجنة" أو ربما "الجنون".
نعم، هذا ما يسعون إليه إنما فاتهم أننا شعبٌ مسلّحٌ أيضاً … مسلّحٌ بالإيمان والجرأة،
مسلّحٌ بالأرض والوطن،
مسلّحٌ بعِبَر التاريخ وعظمته،
مسلّحٌ بالاتعاظ من الماضي،
مسلّحٌ بحبّ الحياة والعيش الكريم،
مسلّحٌ بفكرٍ ناضجٍ وواعد،
مسلّحٌ بمستقبلٍ لائق،
مسلّحٌ بعشق الشهادة والكرامة والعنفوان،
مسلّحٌ برفض الخضوع والخنوع،
وللتأكد اسألوا عنّا تراب الوطن الذي ملَّ الشرب من دمائنا ولم نملّ،
وإن أردتم التعمّق بسلوكنا، إسألوا الأتراك والمماليك وليس حفنة من الصعاليك،
إسألوا الأعداء والأوصياء وليس أبواق الشقاء،
فيأتيكم الجواب: إننا للوطن أوفياء ولأجله نفخر بأن نكون شهداء.