على عادتها دائماً وأبداً، تدقّ أجراس بكركي في أوانها ووقتها. وتطلق في الملمّات أصوات رنينها الى أوسع مدى ممكن، حاملة بيان الوضوح النافي للالتباس، ومعلنة على الملأ الموقف الذي تفرضه التحديات الماثلة أمام الكيان وأهله.
عند مفترقات الطرق ومشارف المهاوي، وهذه كثيرة في الجغرافيا السياسية اللبنانية الحديثة، ترمي بكركي رداءها الوعظي الخاص جانباً، وتتصدى لدورها الوطني العام، آخذة تحت بيرقها مهمة دبّ الصوت ورفع وتيرته.
لا يبحث سيدها في الأساس عن مصلحة خاصة. ولا يتطلع الى العربشة على شجرة الانتهازية كي يفرض رأيه واسمه على الآخرين. كما لا يتطلع الى هوى مؤسساتي مفصّل على قياسه: لا يطلب وزيراً ولا نائباً ولا مديراً ولا ضابطاً ولا جندياً ولا بواباً ولا باباً لنفسه.. إنما على قدر مهمته يتطلع، وعلى وزن أحماله يزن الموقف، واستناداً الى كرسيه يطلق الكلام في عرين الشرق: للحاضر والتاريخ. ولا يسأل.
أساؤوا إليه وإلى جبّته ودوره ومركزه. وحاكوا حواليه أنسجة من الافتراءات الحالكات علّه يتراخى أو يتراجع أو يتوارى أو ينزوي عن إعلاء كلمة لبنان ووضعه مصلحته ومصلحة أهله في مقدم البيان والبنيان. وعلّه يقدم شهادة مغايرة لتلك الناطقة بالحق والعدل والكلمة الصالحة والرجاء الطيب. وعلّه يغطي المرتكبين والبائعين والنخّاسين والمتلونين والانتهازيين والمشعوذين المتوهمين فرادة استثنائية خلاصية. وعلّه يترك هذه الدرب على عتمتها وأشواكها. وعلّه يكتفي بذاته وينسى الرعية.. لكن خدشاً واحداً لم يلطّخ تلك الصلابة الماسيّة. وبقي سيد الصرح أميناً على صرحه ودوره ورسالته وكرسيه الذي يسع الكون.
لم يكن مفاجئاً اللقاء الذي رعاه وحضنه بالأمس، إلا للواهمين المفترضين أن سيناريوهات الخراب والتخريب، وتكسير مؤسسات الدولة، وتهديد حرية اللبنانيين في الإجمال، ووضع البلد على تماس ناري مع الشرعية الدولية وقراراتها وهيئاتها، والتلويح الغليظ الدم بالعودة الى لغة الاحتراب الأهلي.. إن كل ذلك يمكن أن يبقى سارحاً من دون وازع وصادٍ ولاجم. ويمكن ترجمة بعضه لأن الدنيا فالتة والحيطان مشلّعة! لكن الجواب لم يتأخر. وجاء تحت سقف الدولة وأدواتها وأبنيتها الدستورية والأمنية والتنفيذية والتشريعية والقضائية ليقول، أن لبنان هذا قصّته غير مألوفة لدى البعض، لكنه لا يمشي ويقوم إلا وفق "قوانينه" الأزلية المرادفة لوجوده: وطن للحرية والعدالة والعيش الواحد المشترك. سر بقائه ودوامه واستمراره يكمن في كونه صنواً للتسوية وليس لنقيضها. وميزانه أدقّ وأرقّ من ريش النعام، أي خلل أو شبهة فرض وإكراه وعسف وظلم وتجنٍ واعتداء تخلخله وتطيح به!
سيد بكركي. سيد المقام والبيان، الناطق بالحق والراعي لأهله: سلمت.