لم يخلص اللقاء المسيحي في بكركي الى مجرد نداء عاطفي – وطني من أجل لبنان، بقدر ما كان القصد من المناسبة إعادة التذكير بأن قوة البطريركية المارونية لاتزال قادرة على تأدية دور انقاذي عندما تدعو الحاجة (…) والحاجة في هذه الآونة ماثلة جراء الشرذمة المسيحية المتمثلة بخروج سياسيين من مثل تكتل التغيير والاصلاح على رأي الكنيسة مع كل ما تعنيه كلمة الخروج من معنى، خصوصاً في مجال النزاع السياسي الذي اختلف، باختلاف نظرة زعيم التكتل النائب ميشال عون الى التطورات في لبنان!
وتجدر الإشارة هنا الى ان تغيب عون عن جلسة الحوار قد قصد منه لعب ورقة تضييع المزيد عن المسيحيين عن البوصلة التي لم تكن سوى للدلالة على الدولة (…) ولا حل بالتالي الا من خلال العودة الى الدولة، مهما اختلفت مصالح البعض بالنسبة الى محاولات القيام بثورة نظرية في الاصلاح وفي التغيير، فيما لم يقدر البعض المشار إليه على ان يرد عن نفسه تهمة سرقة المال العام، كما أنه لم يخجل من تحمل تبعات التهمة وإبداء الاستعداد مع بعض ازلامه لخوض معركة "اذا فرضت عليه"!
أمام اللف والدوران حول المحكمة الدولية، لم يقدر حزب الله وأي حليف من قوى 8 آذار، على ادعاء البراءة في أنصع صفحاتها، فيما هناك من يجزم بأن البريء لا يحتاج الى من ينصب له ميزان عدل يختلف عن كل ما عداه. والسؤال عينه مطروح في معرض إصرار الحزب على أنه مستعد لارتكاب السبعة وذمتها كي لا يصل الى حدود ابتلاع طعم المحكمة الدولية. وفي الحالين لن يقدر حزب الله على زعزعة ثقة خصوم الداخل بالمحكمة الدولية، كما لن يكون قادراً على تغيير ثقة خصوم الخارج بما يمكن ان يكون قد لحق به من اتهام وسواه؟!
من حيث المبدأ يبدو حزب الله من خلال إصراره على التعطيل الكامل لسلطة الدولة اللبنانية، وكأن همه الأول والأخير جعل البلد يأخذ بوجهة نظرته (…) حتى وإن كانت براءة مصطنعة!
ومن حيث المبدأ أيضاً، يبدو حلفاء حزب الله في إصرارهم على التصدي لصدقية المحكمة الدولية وكأن القصد من "الرواية الاتهامية انقاذ الحزب والخط السياسي الذي هم فيه من إمكان الوقوع في مطب الاتهام، حيث لا بد وأن يكون رد فعل غيره في الشكل والجوهر عن قرار المحكمة الجنائية الدولية في حديه الداخلي والخارجي، خصوصاً ان النظرة الدولية الى حزب الله لاتزال تضعه في مصاف "الناشط الارهابي"، وأي توصيف آخر لن يعمل به في الوقت الحاضر قبل ان تعود الدولة اللبنانية قدرتها المطلقة على التحكم بقرارها السياسي – الأمني!
قبل زهاء ثلاث سنوات من الآن، كان كلام على فكرة الاستراتيجية الدفاعية. أما وقد انتهت جلسات الحوار من غير مقاربة هذا الموضوع، فإن الفكرة السائدة في الأوساط الداخلية والخارجية تكاد تجمع على ان الدولة اللبنانية ممنوعة من ان تحدد ما تريده في حال كانت لديها استراتيجية دفاعية، او هي ظلت في بحث مضن عمن يسمح لها بالتعبير عن رأيها في كل ما له علاقة بسيادة الدولة على أرضها!
كذلك، هناك من يرى ان اللعبة الإيرانية المتمثلة بتوجه حزب الله المحلي والإقليمي، مرشحة لأن تبلغ مرحلة ضياع مؤسسات الدولة ومعها النظام والقوانين، بدليل إصرار الحزب على التعاطي مع المحكمة الدولية وكأنها حال استفزازية من شأنها جر البلد الى تضييع مقصود للسلطة (…) بل للدولة والأرض والشعب والمؤسسات. ومن هنا جاء اللقاء المسيحي الموسع في بكركي على أمل الوصول الى حل من غير العودة الى دوحة -2، بعدما أثبتت الدوحة -1 أنها لم تكن تجربة ناجحة بالنسبة الى ترميم العلاقة بين الدولة وسياسييها وطوائفها، حتى وإن كان المقصود في بعض مراحل معالجة الأزمة – الأم تجنب فتنة مذهبية سنية – شيعية من الصعب على أي كان تجاهل مخاطرها (…).
وطالما ان المزيد من التعقيد وارد تباعاً عبر لهجة التحدي والاستفزاز والتهويل من جانب حزب الله وحلفائه، وجد بعضهم ان المصلحة العامة تفرض عقد لقاء مسيحي، قبل البحث في لقاء مسيحي – سني، بحسب توصيفات "الجنرال عون" الذي يشتغل منذ وقت طويل على خرق بكركي من دون طائل؟!
وجديدنا الخارجي، زيارة وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير، حيث ترى مصادر أوروبية ان جهود الأميركيين لتأييد قوى 14 آذار تحتاج الى أكثر من "بيانات في العموميات"، لعدة اعتبارات في مقدمها ان واشنطن غير مقتنعة الى الآن بأن زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان قد غيرت بعض المعادلات الداخلية، فيما ترى باريس ان من الضرورة حصول تكشير قريب عن أنياب الحلفاء الغربيين، كي لا تصل الأمور الى حافة تحديد الخيارات الداخلية في لبنان في وقت تعاني الدولة من مغبة البحث عما تريده قبل الذي يفرض عليها؟!