كتب سيمون ابو فاضل في "الديار": شكلت مقاطعة قوى8 آذار لجلسة هيئة الحوار الوطني في قصر بعبدا، حافزا لدى البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير لرعاية اللقاء المسيحي في بكركي، وفق ما يقول احد المطارنة، في حين كان المنسق العام لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد والسيد سمير فرنجية يتداولان في فكرة اللقاء داخل بكركي ام خارجها، او برعاية البطريرك صفير او من خلال انتدابه من يمثله على غرار لقاء قرنة شهوان، خرجت الى الواجهة مقاطعة رئاسة الجمهورية ودورها من قبل فريق 8 اذار، وبدا رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون رأس الحربة في مسلسل تعطيل المؤسسات وحصرا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. عندها، يكمل الاسقف، قرر البطريرك صفير رعاية اللقاء في الصرح البطريكي. لاعتباره بان المرحلة لا تتطلب مواقف عرجاء او رمادية، فكان ان استعاد الدور الذي باشره في ايلول من العام 2000 من خلال البيان – النداء، الذي شكل شرارة الحركة الاستقلالية لمواجهة الوصاية في ذلك الزمن، وتركيبتها الامنية التي ترأسها العماد اميل لحود الذي تحول لاحقا الى اسير الاسلاك الشائكة في قصر بعبدا، خوفا من التحركات الشعبية للذين تضرروا من سواء عهده ونظامه الامني.
فاليوم في منطق الاسقف المقرب من البطريرك صفير، التحديات باتت اكبر لكن المعادلة مختلفة، فصداقة رئيس الجمهورية سليمان للقيادة السورية لم تلغ نفسه الاستقلالي، ورئاسة الحكومة من قبل سعد الحريري عامل مطمئن بعدما ظهرت صلابة في عدة محطات، ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع خارج معتقله السياسي، وفي النهاية، الوصاية لم تعد موجودة، لكنها ووفق الاسقف ذاته، عادت من باب الدور الذي يتولاه النائب العماد ميشال عون، الذي للمرة الثانية كما في العامين 1988 و1989 يقاتل بالمسيحيين ويرتب عليهم خسارات لا يمكن تقبلها بعد اليوم.
لذلك، ايضا، قرر البطريرك صفير العودة مجددا الى الدور القيادي المباشر في هذا الظرف، للتأكيد على دور المسيحيين الواضح في مصير البلاد، ولدعم رئاسة الجمهورية كنقطة ارتكاز لبقاء المؤسسات. ومنعا لبقاء المسيحيين خارج المعادلة بعد ان وضع النائب عون وتياره ذاتهما في تصرف قوى 8 آذار كفصيل في هذا الفريق وليس حالة سياسية مستقلة، ناقلين بذلك المواجهة الى داخل البيت المسيحي وفق ما عبر النائب عون مرارا في خطوة هدفها اضعاف هذا الفريق المسيحي لابعاده عن القرار او الحلول.
لكن في موازة ذلك تمكن فريق 14 اذار المسيحي، ان يعود الى واجهة الحضور السياسي انطلاقا من دور موحد ومتكامل يلغي مشهد النسخات التي شهدتها الامانة العامة مؤخرا، فكانت اللقاءات حول خيار مصيري واستراتيجي دلالة على انهم فريق موحد لدى ارتفاع درجة المخاطر على البلاد والمسيحيين ولا سيما على اتفاق الطائف، الذي يتم دراسة تعديله نحو المثالثة بموافقة النائب العماد عون.
وقد اعاد فريق قوى 14 اذار في اجتماع بكركي الموسع، احياء المسؤولية لدى المؤسسات بانها الوحيدة الضامنة لاستمرارية النظام الديموقراطي وحماية المواطنين وتحقيق امنهم. عبر موقف مظلل برعاية البطريرك صفير، ولا يأتي التركيز على دور المؤسسة العسكرية، نتيجة الخوف في صفوف هذا الفريق من الرسائل التحويلة في اتجاه المناطق المسيحية ورمزية مواقع المسؤولين فيها، فالكلام عن دخول معراب او بكفيا على سبيل المثال، يعكس بوضوح غياب الشرعية العسكرية اواحتضانها من جانب فريق 8 آذار، فالمعادلة المسيحية لدى هذا الفريق بابعادها الامنية تتجاوز هكذا رسائل مركزية المنطلق، اذ لم يعطل نعي الرئيس امين الجميل من جانب سلطة الوصاية نجله الشهيد بيار الجميل وانصار الحزب من المضي في نشاطاتهم يومها، ولم يشكل الدخول الى غدراس واعتقال الدكتور جعجع سياسياً، نهاية القوات اللبنانية ونبضها، فعاد قائدها لاحقا احد اركان طاولة الحوار في ظل معادلة كان فيها سجانوه في الاعتقال الاتهامي.
ولا تكمن المعادلة الامنية لدى القوى المسيحية في 14 اذار، في الحذر مجدداً من اعادة سيناريو العام 1994، بعد التفجير الغامض الواضح لكنيسة سيدة النجاة، وما تبعها من اجراءات امنية وترجمة لطموحات رئاسية، تتشابه حاليا مع ربط الحريق في مطرانية صربا باتصال تهديدي سابق، يترافق مع اطلاق نارفي عدة مناطق، بهدف استعادة مناخ امني في المناطق المسيحية على حساب حرية العمل السياسي لقوى14 اذار، ولا ان الواقع الحالي شبيه بالزمن الذي كان يتجه يومها خلال مدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم، لتركيب ملف على غرار ملف الكنيسة لادخال النائبين فارس سعيد وسمير فرنجية في العام 2002 الى السجن، بعد مشاركتهما في المؤتمر الماروني في لوس انجلوس. ولا حتى يقبل هذا الفريق، بأن يكون اقصاؤه عن المعادلة السياسية، واكتساب صمته مقابل تطبيق الأمن في مناطقه في ظل التداول اليومي في عدة «سيناريوهات» لأعمال وتحركات عسكرية لـ«حزب الله»، بل ينطلق هذا الفريق من تحركاته على قاعدة انه «ام الصبي»، وهو الذي باشر الحركة الاستقلالية في العام 2000، بما لا يدفعه للتراجع امام التحديات او الصمت امام «حماية وهمية»، فشلت في محطات عدة ومناطق اخرى. اذ هو الشريك في الطائف والمحرك لثورة الأرز مع النائب وليد جنبلاط الذي كان له دور مميز وشجاع عشية استشهاد رئيس الحكومة رفيق الحريري، اذ في منطق هذا الفريق بأن الذي لجأ اليه هو التأكيد على شراكته في حماية الجمهورية والمناصفة.
وفي المقابل يجد هذا الفريق بأنه يستند في تحالفاته الى فريق سياسي واسع يترأسه رئىس الحكومة سعد الحريري، الذي فرضت صلابته بقاء المحكمة الدولية ذات الطابع الخاص، وهو ما تعكس المواقف الدولية تجاهه اسوة بوزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون التي اكدت على دوره وصلابته، عدا عن قدرته على مواجهة المناورة بالمناورة واسلوب النفس الطويل بنهج المماطلة التي شكت منها قوى 8 آذار التي توقعت منه انكساراً شخصياً بعد انفتاحه على سوريا وارساء علاقات «بناء ثقة» مع رئىسها الدكتور بشار الأسد.
فالعلاقة بين قوى 14 آذار، واستمرارها في مواجهات فكفكتها، جعلتها تتقدم في الواقع الحالي على قوى 8 آذار، التي تلهت في معادلة «الدجاجة والبيضة» اي ساعة تريد عزل رئيس الحكومة وابعاده عن قوى 14 آذار المسيحية وحضر الدكتور جعجع وتارة اخرى، تشن حملة على الاخير بهدف تطويقه واشغاله في سجالات جانبية، في حين كان مفترض ان تنصرف لقراءة واقع العدالة الدولية الذي يقر صراحة باستمرارية المحكمة وتحضير القاضي دانيال بلمار لقراره الاتهامي، بما سيحمل من وقع مدوي بتفاصيله.
وتماشياً مع استنفار قوى 14 لحضورها السياسي، على مدى مناطقها وقواها، فأن تطمينات وصلتها مباشرة من نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر، بأن المؤسسة العكسرية لن تدخل على خط الرد على كل من يسعى لاقحام الجيش اللبناني في حساباته وجعله في مواقع مواجهة مع قوى سياسية او فعاليات سياسية، اذ أن للجيش دوراً واضحاً حدده في قوله سباقاً، بأن ثمة سلاحين واحد شرعي لحماية المواطنين والوطن، والآخر هو سلاح المقاومة للدفاع عن الوطن من اعتداءات اسرائيل، وهو ابلغ كبار المسؤولين في السلطة، بأنه يشرف مباشرة على كل التحركات ومطمئن الى أن خروقات امنية لن تحصل كترجمة للواقع السياسي او عشية القرار الأتهامي.
ولا تسقط طمأنة وزير الدفاع الجهوزية الامنية لقوى الأمن الداخلي، حيث كشف مصدر امني لـ«الديار» بأنها جاهزة للمواجهة للدفاع عن مقراتها حيث وصلتها معلومات، عن اجتماع عقد منذ نحو اسبوع، حددت خلاله اربعة اهداف ذو رمزية معنوية من اجل التحرك باتجاهها، وهي، السراي الحكومي، وزارة العدل، مقر قوى الأمن الداخلي ووسط العاصمة سوليدير.
ويوضح المصدر الأمني، بأن رسالة مباشرة وصلت الى الفريق الذي عقد هذا الاجتماع، بان تحركاته لن تكون نزهة، وان التصدي قرار لا عودة عنه. فاذا كانت الاجتماعات تهدف لارسال رسائل ازعاج وجس النبض، بهدف دفع رئيس الحكومة للتراجع، هم مخطئون، لأنه لن يتراجع وفي كل الأحوال اذا كانت التحضيرات جدية، فاننا لا نخاف وفق المصدر الامني ولا يظنوننا نخاف المواجهة او نرتدي «تنانير»، اذ ستكون تحركاتهم صدمة عليهم ولهم.