#adsense

حول السينودس الخاص بمسيحيي الشرق الأوسط

حجم الخط

"… لأجل حكامنا ومساعديهم وجنودهم ولأجل مؤازرتهم في كل عمل صالح الى الرب نطلب". من القداس البيزنطي.

أما وقد انتهت أعمال السينودس الذي دعا اليه قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر وبعدما أدلى الأحبار المحترمون بآرائهم، ولربما وصلت اليهم مداخلة الرئيس العماد ميشال عون الوحيد بين المسؤولين السياسيين اللبنانيين الذي أدلى بدلوه علانية، يهمني أن ادلي برأيي كمواطن لبناني عادي في الموضوع: مواطن ولد في أواسط القرن الماضي وعرف لبنان في عزه وفي عيشه المشترك الحقيقي بين المسلمين والمسيحيين، مواطن سعى دائماً كي يقوم بواجبه تجاه وطنه، تعلم وحاز شهادات عليا من فرنسا وعاد سنة 1977 وما فتئ من ذلك التاريخ يطبب المرضى في المستشفيات اللبنانية ويساهم في تنشئة أجيال من الاطباء في جامعات لبنان. مواطن يحترم القوانين من قانون السير الى قانون ضريبة الدخل مروراً بجميع القوانين الأخرى. مواطن لا يحمّل أحداً منّة ما يفعله، لأن ما يفعله هو عن اقتناع. مواطن رفض معادلة والي الشام ووالي عكا، قاوم الاحتلالات على طريقته، لم يلق التحية (خلافاً لعادته) على اي من الجنود المحتلين، ويحاول بث روح الحرية والسيادة والاستقلال كلما سنحت له الفرصة بين طلابه ومن حوله. مواطن مؤمن بالدولة المدنية وبقانون موحد للاحوال الشخصية يكون اللبنة الأولى في بناء المواطن اللبناني المنتمي الى وطنه لا الى طائفته وعائلته وجبه وربعه. هذا المواطن، الذي عايش كل الحروب اللبنانية منذ سنة 1977 ولم يتخلف يوماً على رغم القصف والقذائف عن أداء واجبه، لم يفكر في الارتحال الى بلاد الله الواسعة إلا مرة واحدة وهذه المرة هي خلال حكم الحكومة العسكرية بين سنة 1989 و1990، وما رافقها من حروب عبثية، واستخفاف بأرواح المواطنين ومصالحهم واختزال طموحات اللبنانيين بطموح الزعيم الواحد الأحد الذي عاد بعد عشرين عاماً وبما يشبه متلازمة استوكهولم Stockholm syndrome في العلاقة الملتبسة بين الجلاد وضحيته فتبنى طروحات الجلاد وتماهى مع سلوكياته وتخلى عن المبادئ الاساسية التي جمعت الشعب حوله.

هذه الظاهرة جعلتني أراجع نفسي كي أجد الدافع الذي قادني يومئذ الى الاتصال بأستاذي في باريس طالباً منه تأمين وظيفة لي تمكنني من الهجرة وتأمين مستقبل لأولادي. ما الدافع الذي جعل مواطناً آمن ببلده على رغم كل الصعاب والاخطار يفتش عن ملجأ في الخارج؟ وسرعان ما وجدت الجواب الذي أريد ايصاله الى المسؤولين الروحيين المكبين على دراسة أوضاع المسيحيين في الشرق. يا أيها الأحبار المحترمون والمبجلون، إن ما يفتقده المسيحي اليوم وما يجعله يفقد الأمل في مستقبله في هذه الارض هي القيادة الصالحة، القيادة المترفعة عن الصغائر والانانيات والمصالح الشخصية، هي القيادة الرؤيوية، الشعبية لا الشعبوية، الصادقة مع النفس ومع الآخرين، فلنرجع الى الليتروجيا البيزنطية ولنطلب لمسيحيي لبنان قيادة حكيمة مهذبة ومنزهة.

ولا بد هنا من الاشارة الى نوع آخر من الهجرة ألا وهي الهجرة الداخلية، فأين مسيحيو بعض المناطق التي كانت تعج بهم كالضاحية الجنوبية وشرق صيدا وبعض الجبل؟ وما سبب ارتحال المسيحيين عن هذه المناطق؟ وما سبب عدم رجوعهم الى قراهم الأصلية او احجامهم عن شراء واستئجار شقق في الاحياء ذات الطابع المذهبي الصرف؟ في رأيي المتواضع ان السبب هو في التنظيمات الأصولية والتنميط المنهجي لطرق العيش التي تنافي ما تعوده اللبناني منذ القدم. وهنا مسؤولية المسلمين في اعادة البيئة اللبنانية الى ما كانت عليه من التسامح والمشاركة في الأفراح والأتراح بحيث يشعر كل لبناني الى أي طائفة انتمى أنه ليس غريباً في أي منطقة من مناطق لبنان.

وفي هذه العجالة لا بدّ أن أذكر مسؤولية الدول الغربية التي زرعت في هذا الشرق العربي المسالم والمتسامح الكيان الصهيوني السرطاني الذي بث بذور الشر والعنف والدمار والتعصب وأفقد العرب وخصوصاً الأقلية المسيحية الشعور بالاطمئنان والانتماء ومن هنا نرى التناقص المخيف في عدد المسيحيين في الاراضي المقدسة.

ليت الرب سبحانه وتعالى يتجلى ويعلن للجميع انه خلق الانسان على صورته ومثاله وأن ليس له شعب مختار، وأن ليس هناك من أرض ميعاد مزعومة، فليقلع الصهيوني عن ترهاته فكل انسان هو ابن الله وكل انسان هو عامل في حقل الله فلا يحتاج إذاً رب العالمين الى حزب أو جند أو جيش أو دولة، وكل من يقتل باسمه فهو مجرم مرتين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل