لأن البلد اكبر وأهم من جميع السياسيين، ومصلحة المواطنين تعلو فوق كل المصالح السياسية الخاصة والذاتية، اسمحوا لي ان أقول الامور بكل وضوح وموضوعية لعل ولعل…
نسمع كلاماً من هنا وكلاماً من هناك عن دور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وكيف يجب ان يكون وكيف يجب ان يتصرف، وما هو الموقف الواجب اتخاذه، وضرورة اتخاذه موقفاً مؤيداً لهذا الفريق أو ذاك، ان هذا الكلام يعني ودون مواربة تعطيل دور رئاسة الجمهورية أولاً كرأس للدولة وثانياً كحكم بين اللبنانيين وكراعي للحوار الوطني وهذا يعني ايضاً سحب الصفة التوافقية عن رئاسة الجمهورية وجعلها طرفاً في النزاع السياسي الحالي المستشري في البلاد.
ان رئيس الجمهورية هو أعلى سلطة في البلاد وهو أقسم على حماية الدستور ويعرف مصلحة الوطن ولا يجوز لأحد مهما علا شأنه ان يعطيه دروساً في الوطنية أو في كيفية ادارة أمور البلاد، ان الرئيس سليمان يعرف تمام المعرفة ان لبنان بلد قائم على التوافق بين كافة ابنائه وطوائفه وهذه قناعته ولن يتخلى عنها تحت أي عنوان او شعار أو مطالبة او ضغط من هنا او هناك، ولن يغير في السياسة التوافقية التي انتهجها منذ تسلمه مهامه الرئاسية.
لنقل الامور بصدق وصراحة، ان تعطيل دور رئاسة الجمهورية وجعلها طرفاً في الصراع الدائر بين القوى السياسية في لبنان يعني أخذ البلد إلى المجهول وهذا أمر مرفوض وخطير، لأن رئاسة الجمهورية هي المؤسسة الوحيدة في لبنان التي لا تزال قادرة على لعب دور الحكم بين القوى السياسية المختلفة في البلاد وذلك بسبب الدور التوافقي الذي يلعبه رئيس الدولة. فهل المطلوب قطع "شعرة معاوية" المتبقية بين اللبنانيين والتي يمثلها الرئيس سليمان في هذه الظروف الصعبة والخطيرة ووقف الحوار والاحتكام إلى الشارع ودفع الدماء والدموع مجدداً حتى نعود في النهاية للجلوس على طاولة مستديرة من اجل ايجاد حلول لمشاكلنا. الا يكفي اللبنانيين ما عانوه من حرب وقتل وتهجير وهجرة، ألم تعلمنا السنوات الماضية ان الحوار هو السبيل الوحيد لحل كل مشاكلنا وخلافاتنا؟ ولماذا لا نسلك طريق الحوار والتفاهم مباشرة دون خلافات وانقسامات وتوترات ودماء في ما بيننا؟
ان لبنان يمر بأزمة حادة نأمل أن تظل في اطار الصراع السياسي ليس أكثر. وحل هذه الأزمة مسؤولية لبنانية أولاً وأخيراً. لا شيء يبرر ربط ازماتنا بأزمات المنطقة والعالم، واذا كان من الواقعية عدم نفي التأثيرات الخارجية على الوضع في لبنان لأنه ليس جزيرة معزولة، فإنه من غير الواقعي نفي المسؤولية الداخلية وتعليق الأزمة الراهنة على خطوط التوتر العالي في المنطقة. فإذا طالت أزمة تشكيل الحكومة في العراق، فإن هذا ليس معناه ان تنشأ أزمة حكومية عندنا. واذا تعثرت عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين ليس معناه تجميد الاوضاع والملفات عندنا تحت عنوان "الستاتيكو"… واذا جرت انتخابات نصفية في الولايات المتحدة لا يجب انتظار انعكاساتها على المنطقة ولبنان. ان في هذه النزعة إلى احالة مشاكلنا على الخارج هروباً من الواقع ومن المسؤولية. وعلى اللبنانيين ان يدركوا ان الدول قريبة كانت أم بعيدة تعمل لمصالحها أولاً، وان احداً لا يساعدهم اذا لم يساعدوا انفسهم ولم يبادروا إلى حل مشاكلهم بأيديهم.
أما ان نعوّل على مساع عربية واقليمية ونراهن على تفاهم سوري-سعودي وننام على حرير الوعود والمواقف الدولية البراقة والخادعة، فإن كل ذلك لا يغيّر في الواقع شيئاً على رغم اهمية التفاهم السوري-السعودي وما يمكن ان ينعكس ايجاباً على الوضع في لبنان لكن يبقى ايضاً للبنانيين الدور الاساسي في ذلك.
على اللبنانيين ان يعلموا ان المشكلة والحل هي بين ايدي اللبنانيين انفسهم بالدرجة الاولى وان العامل الخارجي يلعب دوراً مساعداً في بعض الاحيان وفي احيان اخرى يعمل لتغذية المشكلة واطالتها ولإعاقة الحل وتأخيره…
المسؤولية اولاً هي مسؤولية الدولة اللبنانية التي عليها ان توفر كل اسباب الثقة والاطمئنان للمواطنين. ولكن ما نراه ونلمسه يبعث على الشك والحذر والقلق. فالمعالجات تدور في "حلقة مفرغة" وفي ظل فوضى سياسية عارمة ومع اداء سياسي ضعيف. وبعد مرور اربعة اشهر، لم توضع أزمة المحكمة الدولية على سكة الحوار المسؤول والهادف، ولم تحدد مكمن المشكلة وهل هي في شهود زور أم في قرار ظني مرتقب أم في ظروف نشأة المحكمة وآليات عملها أم في اهدافها ووظيفتها…
هل يعقل وسط أزمة متفاقمة تشكل خطراً على المؤسسات والوحدة الوطنية والاستقرار العام ان يظل الحوار الوطني محصوراً بموضوع الاستراتيجية الدفاعية، في وقت ينصرف اطراف الصراع إلى وضع استراتيجيات هجومية متبادلة؟! وهل يجوز مقاطعة جلسات الحوار مهما كانت الاسباب والدوافع؟ ان الحوار الوطني وجد من اجل حل الخلافات والانقسامات بين اللبنانيين وعوضاً من ابقائه في الشارع نقله الرئيس سليمان ووضعه على طاولة الحوار من اجل بحثه والتحاور حول كل النقاط الخلافية ضمن غرفة مقفلة وهذا جيد ويخفف من التشنج والاحتقان في الشارع، وهنا واذا كان الشيء بالشيء يذكر لا بد لنا من الاشارة إلى الدور الايجابي والمسؤول الذي لعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري من خلال عدم تغيبه عن جلسة الحوار الوطني وهذا ما يؤكد ان نبيه بري رجل دولة بامتياز ويشكل بحكمته ووعيه صمام أمان في هذه المرحلة الصعبة والخطيرة التي يمر بها لبنان.
لقد تعب اللبنانيون ولم يعد بامكانهم تحمل كل هذه الضغوط فهل من المقبول ان تستمر حركة الترويع والتوتير واثارة الذعر لدى المواطنين من جراء نشر سيناريوهات الحرب والفتنة من دون وازع ورادع ومن دون حسيب ورقيب؟! وإلى متى يستمر "حوار الطرشان" بين المتنازعين الذين يبحثون عن مساحة مشتركة للتفاهم والتسوية، لكن وبطبيعة الحال كل طرف يريد التفاهم على هواه ويبحث عن مصلحته ويتمسك بموقفه معتبراً انه على صواب وغيره على خطأ؟! إلى متى يستمر هذا الانفصام والانفصال بين الدولة والشعب ويكون المسؤولون في واد والناس في واد آخر؟! واذا كانت الحكومة غير قادرة على اتخاذ القرارات الكبيرة واصبحت عملياً حكومة تصريف اعمال، فماذا يمنعها من اتخاذ القرارات الصغيرة وحل مشاكل وهموم الناس والالتفات إلى امورهم الحياتية والمعيشية اليومية التي تضغط عليهم وتقض مضاجعهم؟!
أداء الدولة دون مستوى الأزمة ويساهم في بث الاحباط والخيبة في نفوس المواطنين ونشر البلبلة والاضطراب النفسي والمعنوي. والمسؤولون في الدولة كما القيادات السياسية لا يفعلون شيئاً لتهدئة روع المواطنين وطمأنتهم وتعزيز الثقة بدولتهم ومستقبلهم. وما يزيد في الطين بلة ان المجتمع المدني لا يقوم بدوره ولا يتمتع بحيوية ودينامية المبادرة إلى فرض وجوده وتأثيره. والمفارقة هنا ان بعض الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب الذي هو في اساس حركة المجتمع المدني وصنعها وتسويقها يؤدي في كثير من الاحيان وخصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة دوراً سلبياً اقل ما يقال فيه انه يصب الزيت على النار ويساهم في تأجيج النعرات وتغذية اجواء الفتنة ونشرها. حتى ان عدوى الانقسامات والمواجهات انتقلت من السياسيين واصابت بعض الوسائل الاعلامية التي وضعت جانباً روح الزمالة واعتبارات المهنة وغلبت روح الخصومة والمواجهة، ولم تتورع عن نشر الغسيل الوسخ على الصفحات والشاشات وهذا أمر لا يجوز.
ما يجري في لبنان غريب عن تقاليده واصالته والطريقة التي يتصرف بها بعض السياسيين والاعلاميين فيها الكثير من الخفة والافتعال والاستفزاز والقليل من الحكمة والتبصّر وبعد النظر وحس المسؤولية الوطنية… عسى أن يصار إلى تصحيح الوضع ورفع مستوى الاداء العام قبل فوات الأوان.
واخيراً وللتذكير فقط لعل في ذلك إفادة نقول لأهل السياسة ان التفاهم والحوار ضروريان حتى لا نصل لا سمح الله إلى ما لا تحمد عقباه ويتهدم الهيكل على رؤوس الجميع وعندها لا يعود ينفع الندم.