#adsense

حملة التصويب لمسار المحكمة… هل تجدي ؟

حجم الخط

الانطباعات عن التأثير عليها هددت بمحاذير خطيرة
حملة التصويب لمسار المحكمة… هل تجدي ؟

بدت مواقع سياسية عدة على غير معرفة او اطلاع على ما قصده وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بقوله خلال زيارته في عطلة الاسبوع لبيروت ان هناك خمس دول عربية تحبّذ اتفاقاً جديداً بين اللبنانيين او من هي هذه الدول، علماً ان هناك ثلاثاً منها في الواجهة معنية مباشرة بالوضع في لبنان هي سوريا ومصر والمملكة العربية السعودية. اذ انه لا يبدو وارداً او معروفاً ان هناك اي استعداد لصيغة جديدة ولا مكان لها في السياق السياسي الراهن. ان هذه المواقع في المقابل لا تقلل من اهمية ما قاله كوشنير علناً والذي يكشف، وفق مصادر سياسية مطلعة، ادراك الفرنسيين ان الكلام او حتى الايحاء بامكان وقف اعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يعرّض لبنان لمخاطر كبيرة جداً. وهذه هي الرسالة التي عُبّر عنها في الايام العشرة الاخيرة على اكثر من مستوى دولي من المسؤولين الكبار في المحكمة الى مجلس الامن الدولي والاميركيين والفرنسيين وسواهم، ويعود ذلك الى انه منذ القمة الثلاثية التي انعقدت في بيروت في تموز الماضي وضمت العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد الى الرئيس ميشال سليمان تحت وطأة الحملات التي بدأها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على المحكمة، ساد انطباع خاطئ ان تأخير القرار الظني او تأجيله امر ممكن. وهو الامر الذي وقع فيه كثر بما فيهم بعض الدول التي اعتقدت لوهلة ان الامر قد يستحق المحاولة من اجل افساح المجال امام توافق داخلي ما. لكن تبيّن لها ان مجرّد الايحاء بالقدرة على القيام بذلك، اي السيطرة على مسار المحكمة من خلال الابطاء او التأخير، بصرف النظر عما اذا كانت هذه المقدرة صحيحة ام وهمية او يمكن ان تؤدي الى اي نتيجة، كان خطأً جسيماً. اذ ان اعطاء الانطباع بأن مبدأ "التلاعب" بالمحكمة او "التأثير" عليها مقبول، يعطي اشارة او اجازة مرور نحو تصعيد الوضع في لبنان الى درجة مشارفته الهاوية من اجل الذهاب ابعد من التأجيل، بمعنى ان الضغط يتزايد بما يضاعف احتمال المخاطر على الوضع الداخلي اللبناني. ولهذه الاسباب توالت المواقف الدولية لتوجيه رسالة واضحة مفادها ضرورة عدم محاولة الضغط عبر اي سبيل سياسي او امني لان هذا الضغط لن يوصل الى اي مكان.

وقد اوضح ذلك على وقع مجموعة نقاط تناقش مع مسؤولي قوى 8 آذار كما مع المسؤولين السوريين ايضاً وفق ما تقول هذه المصادر. فهناك اولاً واقع ان المحكمة صدرت تحت الفصل السابع في مجلس الامن بما يجعلها مؤسسة قائمة بذاتها حتى لو من دون موافقة تقنية من لبنان. لكن اقرار اقامتها كان بناء على طلب لبنان ولاسباب لبنانية في الدرجة الاولى حتى لو ان البعض يرى ظروفاً غير طبيعية ادت اليها، ثم ان الجميع وافقوا عليها في البيان الوزاري للحكومة وعلى طاولة الحوار.

وبحسب هذه المصادر يفترض ان يعيد البعض حساباته بناء على الاعتبارات او المعطيات الجديدة التي لا يمكن تجاهلها. وهذا ينطبق اول ما ينطبق على تمويل المحكمة وعلى موضوع ملف "شهود الزور" الذي يراد من احالته على المجلس العدلي الطلب رسمياً وتحت عنوان ما يهدد الامن القومي للبنان وقف المحكمة او تأجيل عملها. وقد اتضح بموجب هذه المعطيات او الاعتبارات الجديدة ان هناك ثلاث مراحل محتملة لتأجيل عمل المحكمة: اولاً الشرعية اللبنانية السياسية والقانونية، ثانياً اقناع مجلس الامن بالغاء المحكمة او قف عملها لاسباب وجيهة من اجل ان يستجيب طلب لبنان، وثالثاً اقناع كل دولة من الدول الخمس الكبرى صاحبة حق الفيتو في مجلس الامن ومن في استطاعتهم واقعياً الغاءها بالتنازل او الاستهانة بالمبدأ الذي انطلق منه المجلس لانشاء المحكمة. وهذه الخطوات او المراحل ليست بالسهولة التي يعتقد البعض او يتصوّر انه في الامكان تحقيق الغاء المحكمة من خلالها، اذ انه حصلت ردود مباشرة وغير مباشرة على الصعيد القانوني توضح انه لا يمكن لبنان استرداد الاتفاق الموقّع مع الامم المتحدة حول المحكمة. واذا طلب لبنان الرسمي السياسي والقانوني والشرعي ذلك مع الاصرار على ما يعنيه هذا الاجماع من مجلس الامن، فإن مجلس الامن لن يستجيب وان مواصلة الضغط عليه لن تحرجه او تخضعه. فالمحكمة ادرجت تحت الفصل السابع لمواجهة جريمة اعتبرت ارهابية ولا يمكنه تحت وطأة التخويف او الترهيب التراجع. وهذا الامر يتعدى مصلحة اي دولة من الدول الخمس الكبرى الى صدقيتها وصدقية مجلس الامن بالذات. اذ ان هذه المحكمة هي الاولى التي تنشأ لجريمة في موضوع محاربة الارهاب ولن يسمح بأن تسقط اول صفحة من تاريخ هذا النوع من المحاكم. فهذا امر لن تقبل اي دولة مهما بلغ تعاطفها مع لبنان او اي فريق فيه على الاستهانة به. ولذلك كان التركيز اخيراً على ان لا إمكان لخروج قطار المحكمة عن مساره اياً تكن المحاولات. فهل يؤشر ذلك على تراجع موضوع ملف "شهود الزور" عن تحويله ملفاً خلافياً اساسياً يشل عجلة العمل الحكومي؟

لا تتوقع المصادر المعنية ذلك في ظل اصرار قوى 8 آذار على تحويل هذا الموضوع او محاولة رفعه الى مستوى تهديد الامن القومي، اذ يستمر الامل في امكان تحويل قطار المحكمة عن سكته عبر هذا الملف. اضف الى ذلك الرغبة في الايحاء بوجود كفة راجحة او توازن لمصلحة هذا الفريق عبر هذا الملف وان هناك اولوية لديه يمسك بها الوضع. إلا ان الامور اختلفت في ضوء التطورات الاخيرة ولا يمكن تجاهلها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل