#adsense

ماراثون..

حجم الخط

واقع الحال، أن ماراثون الأمس بدا في شكله اختصاراً مشعّاً لحالة لبنان في الإجمال: سباق مفتوح نحو نهاية ما، بين راكضين، كلٌ منهم يحمل رقماً (مشروعاً) على صدره ويريد أن يصل به قبل الآخر.

والعجالة التشبيهية هذه ليست إلا بنتاً مُبتهجة لعائلة تخيّلات وردية، تفترض أن الجميع في ذلك السباق متساوون مثلما كان الحال في شوارع بيروت بالأمس. كلٌ حسب طاقاته وقدراته وإمكاناته، ومن يصل قبل الآخر يفوز برفعة المقام ويتبوأ سدّة الريادة.

لكننا في غير هذا الوارد تماماً بتاتاً مباشرة. حيث أن البعض عندنا لا يريد لتلك المساواة أن تكون حكماً، ولا يريد الاعتراف بالقوانين التي تحكم التنافس العادل بين الناس. بل أنه لا يتورع عن نكرانها ونكران تجاربها ونتائجها مستعيناً بذلك بكل ما ليس له علاقة بذلك المعطى المتفرّع من طقوس ديموقراطية مألوفة.

تركض ويركض معك وعندما تفوز يلبط النتيجة والمنصّة وما عليها وحولها وحواليها.. وتقف معه قبل ذلك على خط واحد وعندما يزحط بدعسة ناقصة، لم يدفعه إليها أحد، يروح يحمّلك وزر ما حصل متهماً إيّاك بتحريك الأرض من تحته كي يقع عليها! قبل أن يعود ليختال أمامك بعضلاته، قاطعاً عليك الطريق من أصلها وفصلها.

.. قبل الانطلاق أساساً، كانت الخلفية غير متوازنة وتنقصها مقوّمات العدالة: متسابق جريح القلب يتكئ في مسعاه على عصا السلطة الشرعية والنظام والقوانين وخطاب التسوية الأهلية الحافظة للكيان والبنيان. ومنافس إسبارطي يتكئ على عصا خزائنه المسلحة ومشاريعه الخاصة بالسلطة والنظام والقوانين البديلة عن الإجماع العام، ومعها خطاب الضّخ والطّخ وتعبئة الهواء صراخاً وتهويلاً وتهديداً ووعيداً ووعوداً بصولات وجولات لا تكفي نصف الكرة الأرضية وقوداً لتنفيذها!
وبعد هذا، ورغماً عنه، بل بسبب ذلك الطغيان المناقض للعدل وطبائع الناس وضرورات الاجتماع المدني الحديث، يفوز الجريح المتكئ على الشرعية الوطنية والأصول الناظمة للحق والعلاقات السوية بين البشر عموماً، وبين مواطنين يعيشون في بلد واحد خصوصاً.. يفوز مرتين في ماراثون تشريعي عام. ويفوز قبلها وبعدها في ماراثونات مصغّرة بلدية وجامعية ونقابية مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس مرات.. لكن النتيجة تُرذل جانباً حيث العبث أقوى، والميزان مكسور، ومنصّة الريادة مُخلعة من جهاتها الأربع!

وطني حلبة سباق. ولا يكفي. وفوق ذلك يصرّ البعض على كونه ساحة نزالات وصراعات وحسابات أكبر منه. ويصر بعد هذا بقليل على تلبّس أدوار الضحية المُجنى عليها، علماً أنه في محل آخر مناقض تماماً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل