روى عدد من المصابين بالهجوم الدامي على كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد، قبل نقلهم الى فرنسا الاثنين لتلقي العلاج، تفاصيل المأساة التي حلت بهم، مؤكدين انهم ولدوا مجددا من رحم المعاناة.
وبدت الفاجعة واضحة على اوجه عائلة الأب ثائر الذي قتل مع شقيقه وزوجة الاخير في الهجوم الذي اسفر عن مقتل 44 مصليا في كنيسة السريان الكاثوليك، بالإضافة الى كاهنين وسبعة من عناصر الامن. ولا تزال والدته الثكلى المصابة برصاصة في رجلها اليسرى وبكسور في الرجل الاخرى راقدة في المستشفى محاطة بإبنها وبناتها، غير قادرة الكلام بانتظار السفر الى فرنسا.
افراد العائلة الذين ارتدوا الأسود ذكورا واناثا انهكهم البكاء بصمت وشدة العياء، كما اصيب الأطفال بصدمة حرمتهم نوم الليل. ويقول احدهم: "الحمد لله لقد ولد الذين نجوا من الهجوم الارهابي من جديد".
وقال رائد، الوحيد الباقي من الأشقاء الذكور، ان قسما من العائلة كان هاجر الى لبنان قبل فترة والآن "الجميع يريد الهجرة الى اي مكان"، ويوافقه الجميع مؤكدين بصوت واحد انهم لن يستطيعوا البقاء في منازلهم بعد الذي حدث.
واعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ارسال طائرة لنقل 36 مصابا في الإعتداء الذي اعلن مسؤوليته عنه تنظيم القاعدة في 31 تشرين الاول، وستعود الى باريس مساء الإثنين مع الجرحى و21 شخصا يرافقونهم. واقترحت فرنسا استقبال 150 مسيحيا عراقيا بعد الإعتداء. كما اعلن وزير الهجرة الفرنسي اريك بيسون استقبال مجموعة ثانية من 93 شخصا يجري حاليا اعداد لائحتهم، خلال الاسابيع المقبلة.
اما صبا نذير عبد الأحد (27 عاما)، وهي حامل في الشهر الرابع، فقد اصيبت بطلقتين في الظهر وقتل والدها في الهجوم. وقالت ان زوجها يرقد في العناية الفائقة في مستشفى الكندي ولا يستطيع السفر معها لان حالته الصحية لا تسمح بذلك، مضيفة: "على كل اشكر الرب لانني اشعر كانني ولدت مجددا".
وتساءلت عبد الأحد عن امكان حضور اطباء من فرنسا لمعالجة المصابين بدلا من نقلهم الى هناك، لأنها لا ترغب في السفر من دون زوجها، لكن قريبتها اسرّت لوكالة "فرانس برس" ان الزوج توفي منذ يومين، وقالت: "لكننا لم نبلّغها خوفا من الإجهاض، لأنها سبق وان اجهضت مرتين".
وكشفت صبا ردا على سؤال ان المسؤول عن المسلحين كان يكرر بالفصحى دائما "اقتلوا كل من يتحرك"، مضيفة: "بقينا في الكنيسة من الخامسة والنصف حتى العاشرة مساء. تظاهرنا بالموت ولم اجرؤ على التنفس وكان برفقتنا شقيقي الذي اصيب باذنه".
وفقد مهند منير (27 عاما)، وهو عازب، يده اليمنى في الهجوم اثر رشق احد المسلحين قنبلة يدوية باتجاهه. وقال: "كنا نصلي فسمعنا انفجارا. لم نتوقع ان يدخل المسلحون الكنيسة. دخلنا غرفة الكهنة واقفلنا بابها بواسطة خزانة خشبية وكانت شقيقتي برفقتي". واضاف: "رجعت من روسيا قبل ستة اسابيع بعد نيل شهادة دكتواره في هندسة الميكانيك. احمد الله لقد كتبت لي الحياة مجددا وافكر حاليا في ملاذ آمن قبل اي شيء. ربما لن اعود من فرنسا لان علاجي يتطلب تقنية رفيعة غير متوفرة هنا او في الجوار".
كما اصيبت فيفيان رزوقي (45 عاما) التي كانت برفقة زوجها وولدها وابنتيها برصاصة في الظهر اطلقها عليها مسلح بينما كان يأمرها بالإنتقال من مكان الى اخر. وقالت: "اصيب زوجي برصاصتين في الظهر ويرقد في العناية الفائقة ولن يسافر نظرا لصعوبة نقله". لكن رئيسة الممرضين اكدت انه توفي هو الآخر، مضيفة: "لكننا لا نحبذ ابلاغها بالأمر".
اما رنا راجح (28 عاما) فقالت: "سمعنا طلقات نارية فانبطحنا ارضا وقال لنا الأب ثائر "ادخلوا الى غرفة جانبية"، فتوجهت مع ابني وحينها شعرت بانني اصبت بقدمي الاثنتين لكنني لم احرك ساكنا وتظاهرت بالموت كما قال لي زوجي". واضافت: "نزفت مدة ساعتين ولم اجرؤ حتى على الصراخ تعبيرا عن الألم. لم اشاهد وجه المسلح ولا اعرف ما اذا كان عراقيا ام لا. ولما اقتحم الجيش الكنيسة، كان آخر مسلح يقف في المذبح، ففجر نفسه وسقطت اشلاؤه على جسدي".
احد حراس الكنيسة اصيب ببطنه وقال انه كان برفقة زوجته في الكنيسة ابان القداس عندما ظهر المسلحون، "فبادرت الى اخذ بندقيتي، لكن سرعان ما رشقوني بقنبلة يدوية، فاحتميت لكن القناص المتمركز على سطح الكنيسة تمكن من اصابتي". وتابع: "كانوا اكثر من عشرة مسلحين وليس خمسة كما اذيع. فقد هاجموا سوق الأوراق المالية كتمويه ثم عبروا من ناحية المقبرة وباشروا رمي القنابل. اصيبت شقيقتي الصغرى بشظايا في الركبة اليمنى".
وتساءل الحاضرون في الغرفة عن كيفية "ادخال الاسلحة والعتاد بهذه الكميات رغم الحواجز الامنية".
اما احمد محمد محسن الذي يعمل مرافقا لاحدى السيدات اللواتي حضرن القداس، فقال انه كان خارجا عندما سمع القنابل فسارع الى الكنيسة لحماية المرأة التي يعمل لديها، لكن مسلحا بادره الى اطلاق النار فاصيب بقدمه. وعن عدد المسلحين، اكد انه شاهد "ما لايقل عن ثمانية".