خلال مؤتمرٍ عُقد العام 1972 في سينما بيبلوس – بيروت قال السيد عاصم قانصو، الأمين القطري لحزب البعث السوري في حينه : "لبنان الأخضر سوف نحولّه الى اصفر ويابس".
وبالفعل، فقد شكّل هذا الكلام "التحذيري" الصادر عن الناطق بلسان النظام السوري في لبنان، مقدمّةً لكل ما شهده "القطر اللبناني الشقيق" من دمارٍ ومآسٍ مهّدت الطريق واسعاً امام التدخل العسكري السوري المباشر والعلني في الشؤون اللبنانية.
تعود نشأة حزب البعث السوري في لبنان، الى الإنشقاق الذي أثاره الرئيس الراحل حافظ الأسد في مؤتمر حزب البعث المنعقد في بيروت خلال نيسان 1966، وكان الأسد حينها يشغل موقعاً متقدماً في تركيبة النظام السوري. وقد ادّى هذا الإنشقاق عملياً الى نشوء حزبين للبعث في لبنان: الأول ملتزم بمبادىء مؤسسه ميشال عفلق، وُيطلق عليه عادة اسم حزب البعث العراقي. والآخر، حزب البعث السوري، المتشيّع بكليته للنظام السوري.
في العام 1970، وبالتزامن مع وصول الراحل حافظ الأسد الى رأس السلطة في سوريا، تم في لبنان الترخيص رسمياً لحزب البعث السوري، وذلك على الرغم من وجود مخالفات شكلية لهذا الترخيص. ولاحقاً نجح النظام السوري بالقضاء كلياً على حزب البعث العراقي في لبنان بعدما تمّ سجن وتصفية العديد من عناصره وقياداته.
جاء في تقريرٍ لمخابرات الجيش اللبناني، صادر بتاريخ 12 كانون الأول 1973 ما يلي: "ان الاستخبارات السورية تستخدم المنضوين الى حزب البعث لتنفيذ عملياتها ومخططاتها التخريبية في لبنان".
تقرير مخابرات الجيش اللبناني لم يأتِ من عدم، إذ ان نمط التدخل المخابراتي السوري كان قد بلغ اوجه ذلك العام إبان رئاسة قانصوه لحزب البعث السوري، وبات يؤثر بقوّة على الإستقرار اللبناني.
فمع بدء الإشتباكات بين الجيش اللبناني وفصائل الكفاح المسلح الفلسطيني العام 1973، نبّهت سوريا الدولة اللبنانية من مغبّة نزع السلاح غير الشرعي للفصائل الفلسطينية المسلّحة، معتبرةً انها "لا تستطيع ان تبقى مكتوفة اليدين"، فقامت بإغلاق حدودها البريّة كتدبير انتقامي ضد لبنان، كما ضاعفت من إرسال شحنات الأسلحة للمسلحين المناوئين للجيش اللبناني.
وفي الواقع، فإن النظام السوري لم يدعم فصائل الكفاح المسلّح حرصاً منه على القضية الفلسطينية كما يدعّي، وإلاّ لما كان هو نفسه، عاد ودمّر المخيمات الفلسطينية على رؤوس ابنائها، وألّب الفصائل الفلسطينية على بعضها البعض بعدما حاصر وقصف زعيم الفلسطينيين ابو عمّار في طرابلس. فالنظام السوري، سعى من خلال أدواته العديدة-ومن بينها طبعاً السيد عاصم قانصو- الى تأجيج نار الصراعات اللبنانية-اللبنانية، واللبنانية-الفلسطينية، والفلسطينية-الفلسطينية، محاولاً، من وراء كل ذلك، وضع الكل بمواجهة الكل بحيث يكون هو المستفيد الأول من انهيار مقوّمات الدولة اللبنانية، وإحتكار الورقة الفلسطينية.
إنطلاقاً من هذه الوقائع، يتضح ان حزب البعث السوري في نشأته ومساره، ليس سوى منتجٍ للمخابرات السورية، يحمل اهدافاً تتناقض بالأساس مع مبدأ قيام دولة لبنانية مستقلة. وعليه فإن التهديد الذي اطلقه عاصم قانصو باجتياح بلدة معراب الكسروانية، يأتي في السياق الطبيعي لمسيرة حزب البعث السوري التخريبية في لبنان، وهو بالتالي ليس موجّهاً الى القوات اللبنانية وشعب 14 آذار والمسيحيين، بقدر ما يطال بُنية وركائز الدولة اللبنانية برمتّها.
ثم انه، لا عجب ان يقوم شخصٌ كعاصم قانصو-رأس هذا "المنتج" السوري لأكثر من عقدين من الزمن- بخرق الدستور والقوانين اللبنانية، وهو الذي يرفض بالأساس الإعتراف بالجمهورية اللبنانية المستقلة، واستطراداً، كل ما يصدر عنها من قوانين وتشريعات.
ولا عجب ان يقول عاصم قانصو ما قاله بحق معراب بما تمثلّه من شريحة لبنانية واسعة، وهو الذي شارك بسوق مئات اللبنانيين الى اقبية التعذيب السورية في عنجر والبوريفاج، وهو الذي بلغ به الإسفاف والحقد حدّ الطعن بشرف غالبية اللبنانيين، بمن فيهم شبّان وشابات التيار الوطني الحرّ، وذلك من خلال تشبيهه إعتصامات ساحة الحرية بـ "الكرخانة".
ولا عجب ايضاً ان يقول قانصو ما قاله بحق مرجعيةٍ سياسية اساسية في لبنان، وهو المفتقر لأي حيثية شعبية والهابط على البرلمان ومجلس الوزراء بمظلّة رستم غزالي.
ولا عجب ان يقول قانصو ما قاله بحق من عمل جاهداً لقيام الدولة اللبنانية متكبدّاً فاتورة الإغتيال والسجن والإضطهاد، هو الذي عاث في جمهورية الطائف فساداً ونهباً.
لا عجب ان يرتكب قانصو هذا الجرم المشهود عبر تهديده العلني باجتياح منطقة لبنانية عسكرياً، ولكن العجيب فعلاً هو الاّ تتحرك النيابة العامة التمييزية لتوقيف عاصم قانصو سنداً للمادة 40 من الدستور اللبناني، والمادة 9 من قانون اصول المحاكمات الجزائية والمادة 90 من القانون الداخلي لمجلس النواب، والتي أجازت كلها ملاحقة النائب جزائياً وإلقاء القبض عليه في حالة الجرم المشهود، إنطلاقاً من ان الحصانة التي يتمتّع بها النائب سنداً للمادة 39 من الدستور اللبناني، ليست حصانةً مطلقة، بل تنحصر في الآراء السياسية التي يُبديها النائب.
مهما يكن من أمر، فإن شخصاً بهذه المواصفات لا يمكنه قول غير ما قاله، لأنه بالأساس ليس سوى صدى للمخابرات السورية، ولأن "عصمة" عاصم هي بالنهاية في يد رستم، ولأن هاجس رستم واسياد رستم هو في كيفية القضاء على قلعة الحرية معراب …ولكن متى يدرك هؤلاء أن عصمة معراب المعقودة لها من قبل سيدة حريصا وشعب 14 آذار وإرث الشهادة والتضحيات…تجعلها عصيّة عليهم وعلى أمثالهم؟