مواقفها الوطنية والتاريخية تؤكّد أنها حامية الجميع
بكركي ما انحازت يوماً إلا للبنان السيّد المستقلّ
ليست هي المرة الاولى التي تقف فيها بكركي الموقف الوطني والتاريخي لأجل لبنان على مدى عصور كلما شعرت بأن استقلاله وسيادته وحريته في خطر، وان نظامه مهدد وكيانه معرّض للذوبان من غير ان تأبه لمن لا يقف معها سواء من ابنائها او من غير ابنائها. فعندما تحمل البطريرك الياس الحويك مسؤولية قيام "لبنان الكبير" لم يكترث للاصوات المعترضة والقائلة بأن "دور الموارنة يظل كبيرا في لبنان الصغير، ويصبح صغيرا في لبنان الكبير". والبطريرك عريضة تحمّل مسؤولية الوقوف ضد استمرار الانتداب الفرنسي كي ينال لبنان استقلاله، لكنه اعلن بجرأة وصراحة انه "لن يستبدل انتداباً بانتداب آخر". وتحمل البطريرك الكاردينال بولس المعوشي المسؤولية عندما وقف ضد غالبية ابناء كنيسته حرصا منه على الوحدة الوطنية والعيش المشترك. وتحمّل البطريرك الكاردينال صفير المسؤولية عندما وقف مع اتفاق الطائف رغم معارضة زعماء موارنة لهذا الاتفاق، لانه فضّل وحدة لبنان والعيش المشترك فيه على صلاحيات تزيد او تنقص لهذه السلطة او تلك. وأكمل المسيرة النضالية التاريخية لبكركي في كل مواقفه، فكان النداء الاول الذي صدر عنها ويدعو الى انسحاب القوات السورية من لبنان تطبيقا لاتفاق الطائف، وقد استجاب هذا النداء لفيف من الزعماء المسيحيين فكان ما سمي "لقاء قرنة شهوان"، فيما ظل زعماء آخرون خارجه، معارضين ما جاء في النداء حرصا من بعضهم على علاقاتهم الشخصية وصداقتهم لمسؤولين سوريين… وظل هذا اللقاء فئوياً ومذهبياً لأن أي زعيم مسلم لم تكن لديه الجرأة للانضمام اليه حتى وإن كان في قرارة نفسه يتمنى للقاء النجاح في تحقيق اهدافه. وعندما صدر القرار 1559 عن مجلس الامن لم يتردد البطريرك صفير في اعلان تأييده اياه والدعوة الى تنفيذه بكل بنوده حتى انه حمّل مجلس الامن مسؤولية تنفيذ قرار صدر عنه، وعندما قامت "ثورة الارز" إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وقف معها لاجل لبنان السيد الحر المستقل ووجه دعوة الى الرئيس اميل لحود كي يتنحى عن رئاسة الجمهورية نظراً الى دقة المرحلة وخطورتها، لكنه عارض ان يتم ذلك بقوة الشارع بل بقوة القانون والدستور، ووقف ضد انتخاب رئيس للجمهورية بنصف عدد النواب زائدا واحدا لانه اعتبر انه لن يكون عندئذ رئيسا لكل لبنان بل لفئة منه وهذا يهدد السلم الاهلي ويزعزع الاستقرار والعيش المشترك، لكنه كان من جهة اخرى يحض النواب على تأمين النصاب لانتخاب رئيس للجمهورية تجنباً لاستمرار الفراغ وتحميل من يتسببون بتعطيله المسؤولية الوطنية والتاريخية امام الله والناس والوطن. وعندما لجأت المعارضة المتمثلة في تجمع 8 آذار الى الشارع ولم تحتكم الى المؤسسات الدستورية في خلافها مع الحكومة ومع قوى 14 آذار وقف بشجاعة وجرأة ليدعو المعارضة للعودة الى المؤسسات الدستورية والخروج من الشارع الذي يشعل فتنة داخلية ويقضي على العيش المشترك وعلى الوحدة الوطنية. وعندما تقرر اجراء انتخابات نيابية تتنافس فيها بحدة لوائح مرشحي قوى 14 آذار والمتحالفين معها ولوائح مرشحي قوى 8 آذار والمتحالفين معها، ورأى انها انتخابات مصيرية، لم يتردد في اعلان موقف صريح وواضح اذ قال: "اذا انتقل الوزن الى 8 آذار ولم يعد لـ14 آذار فإن هناك اخطارا سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني".
وعندما فازت قوى 14 آذار بالاكثرية في الانتخابات دعا مرارا وصراحة الى تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، لكن الاقلية التي تسيّرها سوريا رفضت ذلك وأصرت على تشكيل حكومة سميت حكومة "وحدة وطنية" لتحول دون استئثار الاكثرية باتخاذ القرارات ولكي تبقى للاقلية قدرة على تعطيلها وهو الحاصل حتى الآن… وظل البطريرك صفير معارضاً تشكيل مثل هذه الحكومة واصفا اياها بحصان يشد بالعربة الى الامام وحصان آخر يدفعها الى الوراء فتصبح العربة عاجزة عن الحراك.
ولم يكن موقفه ملتبسا في موضوع سلاح "حزب الله" فكرر القول ان هذا السلاح اذا كان يستهدف اسرائيل فلا خلاف عليه، لكنه تساءل ما الذي يحول دون ارتداده الى الداخل وهو ما حصل في 7 ايار ولا يزال التهديد به للقيام بسبعين 7 ايار وبالانقلاب على الدولة ومؤسساتها وتصفية الحساب مع قوى 14 آذار والمتحالفين معها بقوة السلاح وليس بقوة القانون والشرعية، وأكد البطريرك غير مرة ان يكون في لبنان جيش واحد وسلاح واحد هو جيش الدولة وسلاحها فقط، ولا يكون جيشان وسلاحان والا فلا دولة ولا ديموقراطية. وعندما قامت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وفي اغتيالات مماثلة، اعلن البطريرك صفير من دون تردد تأييده ودعمه هذه المحكمة كي تقوم بعملها "مهما كان الثمن".
وعندما عادت الهجمة الشرسة على الاكثرية وتحديداً على قوى 14 آذار والمتحالفين معها جاءت زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان تؤجّجها وتجعل لبنان ساحة صراع بين المحورين الايراني والاميركي، عاد الشعور بالخوف على لبنان السيد الحر المستقل وعلى الكيان والنظام وعلى العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين. اذذاك تنادت شخصيات مسيحية وعقدت لقاء في بكركي برعاية البطريرك صفير وهو لقاء يختلف بشكله ومضمونه عن "لقاء قرنة شهوان" لانه لقاء التقت حول البيان الذي صدر عنه، شخصيات اسلامية بارزة سياسية ودينية ومن اعلى المراجع، اذ صدرت عنها مواقف تشيد وتنوه بمضمون البيان ("تيار المستقبل" ودار الفتوى). فاذا كانت بيانات "لقاء قرنة شهوان" فئوية ومذهبية في حينه نظرا الى الظروف التي كانت سائدة فإن بيان اللقاء المسيحي في بكركي هو بيان وطني يجمع غالبية مسيحية واسلامية حوله. وكما ان شخصيات مسيحية استجابت نداء بكركي الاول عام 2000 فكان "لقاء قرنة شهوان"، فان بكركي رعت هذه المرة لقاء مسيحيا ولم تدع هي اليه لان الجمهورية في خطر وكذلك الكيان والنظام، لذا ينبغي الا يكون ثمة خلاف على مضمونه مع الطرف الآخر ولا سيما المسيحيين فيه لانه يدعو الى تأييد قيام الدولة القوية القادرة وعلى رأسها الرئيس ميشال سليمان والى الاحتكام للمؤسسات وعدم تقييدها بشروط فئوية تشل عملها، ومنع ازدواجية السلاح لان الخطر الذي يواجه لبنان لا يهدد فئة او مذهبا او طائفة وانما الكيان برمته وجميع اللبنانيين من دون استثناء.
والسؤال المطروح هو: هل يلتقي جميع اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول هذا البيان مع تعديل ما يحتاج الى تعديل من دون المساس في الجوهر، ام ان نقطة الخلاف فيه هي المحكمة وسلاح "حزب الله" وقد تحول دون التوصل الى اتفاق كما حال الوجود العسكري السوري في لبنان دون التوصل الى اتفاق مع بيانات "قرنة شهوان".
لقد استهل البطريرك صفير اللقاء المسيحي بكلمة شدد فيها على اهمية تضامن جميع اللبنانيين، مشيرا الى ان هناك مخططات وتهديدات بوجه لبنان تستدعي تحصين الوحدة الوطنية وتكثيف اللقاءات التشاورية. وهذا يؤكد ان بكركي هي للجميع عندما يكون الجميع مع موقفها الوطني الثابت والذي لا يتغير مع تغير الظروف واتجاهات رياح المصالح الذاتية، وان الجميع يحتمي ببكركي عند مواجهة الاخطار وبكركي تحمي الجميع كالشمس التي تشرق على الاشرار والاخيار على السواء… والكنيسة تقوى بأبنائها وهم موحدون وتضعف مع تفرقهم وانقسامهم وابواب بكركي مفتوحة دائما للجميع لكن ما عساها تفعل مع من يغلق هو بنفسه هذه الابواب في وجهه ولا يريد ان يحتمي بها ولا ان يحميها…