لم يكن 7 أيار ابن لحظته. وكل قول إنه كان ردّ فعل ليس سوى غبار للتغطية على الحقيقة:حضّر "حزب الله" مقاوميه، بعدما احضرهم من عند خط المواجهة مع اسرائيل، وأجرى لهم تدريباً على احتلال بيروت شاركت فيه ميليشيات حلفائه من باب التنويع لا الحاجة أو الضرورة، ومن باب السخرة خدمة لاستراتيجية اقليمية.
كان احتلال وسط بيروت يلفظ أنفاسه. وحصار السرايا لم يزد فؤاد السنيورة، ووراءه 14 آذار، إلا تمسكاً بالشرعية وتصلباً في الدفاع عن الدولة. وكان إقفال مجلس النواب لتعطيل الدستور يلاحق اصحابه ويفضح قصورهم عن فهم الديموقراطية. كان العنف والترهيب أعلنا افلاسهما، وبات بحث 8 آذار عن مخرج من مأزقها واضحاً.
في تقاطع هذه السلبيات رُسم سيناريو الخروج من المأزق: افتُعل أمر شبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله"، كما افتعلت عقدة رئيس جهاز أمن المطار. "سُربت" معلومات عن الأمرين الى قطب 14 آذار (حينها) وليد جنبلاط فاستفز. طلب وزراؤه في حكومة الصمود الوطني اصدار مجلس الوزراء قرارين في صددهما. رضخ الرئيس السنيورة تحت التهديد باستقالة هؤلاء.
برغم ان الحزب كان أدمن مسح قرارات الشرعية بالأرض، وعوّدنا أن أحكام القضاء (وغيره) لا تقترب من حدود دويلته، ولم يعتد الخضوع لقرارات الادارات الرسمية، فلقد ادعى الخوف من قراري مجلس الوزراء.
كان 7 أيار احد انجح المسرحيات السياسية في البلد: انتشر حماة السلاح من اجل السلاح في العاصمة وفي الجبل لتأديبهما، ميدانياً، ولقلب الطاولة سياسياً وتحويل هزيمة احتلال وسط بيروت وتعطيل التشريع الى نصر سياسي توّج في الدوحة.
ما يجري اليوم تطبيق للمنطق نفسه مع وقائع مختلفة ومعطيات متمايزة: بدل احتلال قلب المدينة وقلب السلطة، تجري محاولة احتلال الرأي العام، وابتداع وسائل جذبه. مرة بشهود الزور،ومرات بمنع "استباحة" العيادة، وتمويل المحكمة، ومخاصمة القضاة اللبنانيين فيها.
كان 7 أيار انقلاباً مسلحاً على انتصار 14 آذار الديموقراطي المدني. اليوم يتوهم اهله ان في استطاعتهم كسر العدالة وهي الأساس في الممارسة الديموقراطية.
يشق أهل 7 أيار طريقا الى تكراره. يتوهمون انها سالكة وآمنة، ويتجاهلون ان نهايتها مقفلة لا يفتح بابها سوى الاجماع الوطني: يريدون فرض رؤيتهم على البلد برهبة السلاح، وافتعال الوقائع. والمزاوجة بين الاثنين تقتضي التخويف من "الذئب"، على ما تقول الرواية الشعبية الشهيرة، وهو هنا الفتنة السنية – الشيعية المزعومة. مزعومة. نعم. فلو كان هناك من فتنة، فإن أوانها قد فات.
يحاول "حزب الله"، منذ ما قبل الظهور المتلفز لأمينه العام تأكيد أن اتهامه باغتيال الرئيس الحريري آت في قرار المدعي العام للمحكمة الدولية. وهو لكثرة ما كرّر اتهام نفسه، بلسان آله وصحبه، كاد يجعل التهمة واقعاً ومسلمة. لو كان هناك من يبغي الفتنة من الرصيف المقابل لضاحية الحزب، وتحت اي اسم كان، اما كانت هذه اندلعت، منذ اشهر تفخيخاً وتفجيراً واغتيالات؟ أليس تكرار القول باتهامه، وحرصه على أن يبدو صفاً متراصاً لا يخترقه تجسّس ولا عمالة، الى حد تمتع محيطه وأهله بمناعة إلهية، ما يستفز "ألوهية" أطراف آخرين، ويجعلهم يشعلون الفتنة؟
لا يأتي الكلام على اقتراب الفتنة، والتحذير من "مناخات سلبية" إلا من جهة واحدة، هي نفسها التي تتقدم النقاش في صورة ضحية المحكمة. هي الضحية في فتنة لا يعرف بمجيئها أحد غيرها. وهي الضحية لقرار اتهامي وحدها تعرف حرفية نصه الذي لم يوضع بعد، وعلى الأقل لم يعلن بعد.
سؤال يطرق البال: أليس في العادة الاجتماعية أن نغفر للضحية انتقامها؟ وكيف إذا كان الشغل الشاغل للضحية المزعومة تحضير الرأي العام لقبول هذا الانتقام بزعم دفاعها اللاعنفي عن نفسها، كما في ما سمي قرائن نصرالله، وحماية "الأعراض" في عيادة الطبيبة شرارة؟
تحاول "الضحية المزعومة" التلويح بأنها مدفوعة الى استخدام القوة في لحظة آتية، وان عذرها (المزعوم) في ذلك أنها بذلت كل جهد لتجنب "الاعتداء "عليها.
ذلك يبث القلق بين اللبنانيين وخصوصاً ان التهويل الممارس لا يكتفي بالاعتداء على استقرارهم الوطني، بل يتعداه الى ضرب منطق القانون والحقائق والقيم الكبرى حين يستخدم الشعبوية والشعارات الاستنفارية وتشويه الوقائع لتضليل الرأي العام، وتكوين سياج حماية لاستخدام السلاح.
قد يبقى ذلك طي المخاوف، وقد ينقلب الى واقع. لكن الخوف يجب ألا يكون من وقوعه، بل من الانجرار الى لعبته. لماذا؟
أولاً، لأن الاستقرار تحميه الشرعية، ولو أن لدى كثيرين تساؤلات عن دور أدواتها العسكرية. ثانيا، لأن الضحية الحقيقية، أي الأكثرية اللبنانية التي تريد العدالة والحقيقة، لا تملك ترسانة أسلحة كحال من يواجهها. ثالثاً، لأن هذه الأكثرية تملك أقوى سلاح، وهو اللاعنف،.فإذا هتك السلاح الاستقرار يرد عليه بالاعتصام بالسلبية في كل مكان: في القرن الماضي، أطلق لاعنف غاندي إشارة احتجاب الشمس عن الامبراطورية البريطانية. لماذا لا تأفل شمس السلاح عن الداخل بلاعنف لبناني؟
"الحياة وقفة عزّ فقط"، كما قال أنطون سعادة. ألا يستحق الاستقلال الثاني وقفة عز تسقط سلطة السلاح وتحيي سلطة الرأي العام والقانون والديموقراطية؟
يعيش لبنان لعبة عض أصابع. من يصرخ أولاً يخسر. صرخة واحدة إن كانت أولاً تربح. هي صرخة اللاعنف. هي لا تسقط السلاح. تلغيه.