… وأبواب الجحيم لن تقوى عليها

الكنيسة زيارة الهية لطمأنة النفس، وصياغة الخير المطلق لسعادة الأنسان، ونشر بهاء الحق للتحرَر من أدران المادة. هي الشعاع المتوهّج للمتنعَمين بنور السماء، تنسج خيطا ألوانه لا يحصرها عدَ يقيم الصلة مع النعمة، وهي أعزَ رابط بالله الذي هو فيض الحكمة وكنز الخير. وهذا هو بالذات مفهوم بكركي للكنيسة، وقد تمظهر جليا في الكنيسة المارونية في لبنان.

إنَ عصر الأنحطاط الجديد يحفل بأحداث لا بدَ من التوقَف عند بعضها لأخذ العبرة أو للتصويب. ومن جملة هذه الأحداث قول النائب سليمان فرنجية أنَه يحمي الكنيسة، وبالتالي لا يطلب حمايتها. فالذين يستجدون حماية الكنيسة هم الضعفاء، حسب رأيه. وفي هذا القول مفارقتان:

أمَا المفارقة الأولى، ففي الكلام على الحماية بالذات، والحماية هي طلب التحصين والوقاية من شرَ أو أذيَة. وهذا يعني أنَ الشرَ موجود وهو يستهدف الكنيسة ومن يلوذ بها. وكأنَ النائب فرنجية يعترف ضمناً بالتهديدات التي يصوَبها من يتحالف معهم باتجاه الكنيسة المارونية وعلى رأسها سيَدها. وهو يعطي نفسه صفة الغيور على سلامة الكنيسة، ومستعدَ لتقديم واجب الحماية لها من أي ضرر. يذكَرنا هذا الموقف " الشجاع " بمثيل له اتخذه الجنرال عون في معرض تبريره للاتفاق الذي أبرمه مع "حزب الله"، والذي برأيه يحمي المسيحيين، والسؤال ممَن؟

والمفارقة الثانية، هي طلب الضعفاء الأحتماء بالكنيسة. وهذا يعني بوضوح أنَ الكنيسة قوية وقادرة على تأمين الحماية لمن يطلبها. ولا عجب، ففي بنود رسالة الكنيسة الأحاطة الأبوية بمن يلوذ بها.

وفي الصدد ذاته أيضا، المقال الذي نشره الأستاذ أدمون صعب في "السفير" ويدعو فيه الى أعادة النظر بقيادة الكنيسة المارونية تحديدا. ويحفَز سيَد بكركي على زيارة الشام، لا بل يحمَله تداعيات الأحجام عن هذه الزيارة. وهذا كلام يحمل تجنيا غير مقبول. فالبطريرك الماروني صاحب التزام روحي ووطني لا يحيد عنه. وبالتالي فمواقفه جميعها تتمحور حول هذا الالتزام. وهو أعلن، كما في كل مناسبة، أنَ زيارة سوريا قبل طوي الملفات العالقة، لا تصبَ في مصلحة لبنان ولا في مصلحة العلاقة بين البلدين، والتي يراها غبطته ملتوية وعرجاء.

إنَ ديمقراطية البطريرك تتيح للجميع أن يبدوا رأيهم بحريَة في ما يتعلَق بمواقفه وتوجَهاته، ولم نسمع أي ردَ من جانبه على الذين تعاطوا في حيثيات مواقف بكركي، بمن فيهم أولئك الذين تجنَوا وهاجموا وانتقدوا عن غير وجه حق. وهذا يعني أنَ البطريرك هو من عجينة العمالقة والمميَزين، أو كما العناصر الأربعة الأزلية التي لا تدانيها في القيمة تلك العناصر الثانوية الباهتة التي تفصل بين جماجمها وألسنتها مساحة واسعة من السخف والهرطقة.

ينقسم الناس في فنَ الكلام قسمين: فئة تلتزم الأصول واللياقات فيأتي كلامها متَزنا يفيض بالمعقولية، وفئة تلقي كلامها على عواهنه وتبتعد عن مقوَمات المنطق، ما يفقدها الرزانة وأبسط امكانيات الأقناع. ولهؤلاء الخارجين عن أصول العقل، الذين تبنَوا قواميس مشبوهة وبعيدة عن محجَة الموضوعية، سيبقى كلامهم ضربا من القرقعة الهامشية التي سريعا ما تزول، وستبقى الكنيسة المارونية رمزا دائما للنضال من أجل لبنان ودولته وسيادته، مستعينة بالفيض الألهي الذي يجعلها، وحده، تعصى على أفاعي الجحيم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل