#adsense

قبل انهيار العازل !

حجم الخط

يبرز "استقتال" رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط لمنع "انزلاق" مجلس الوزراء الى التصويت على ملف ِ"شهود الزور" خلفية مثقلة بالمفارقات الصارخة التي غالبا ما جعلت لبنان يدفع ثمن التناقض الهائل بين "ديموقراطيته" وواقعه الابعد ما يكون عن نظامه رغم مرور 21 عاما على وضع ميثاق الطائف موضع التنفيذ. وسواء اقنعت المحاولة المزدوجة للرئيس سليمان وجنبلاط كثيرين ام لم تقنعهم – وسواء أفضت الى تأخير "ساعة الحقيقة" وتأجيلها ام فشلت في ذلك، فهي تبدو في واقعها الموضوعي العازل الاخير للصدام المهرول بسرعة ارتفعت وتيرتها بقوة مخيفة في الآونة الاخيرة.

فهذا "التصويت" الذي يعتبر درة الاحتكام الى الديموقراطية في الانظمة التي تحمل اسما على مسمى وتلتزم الاصول الديموقراطية الحقيقية، يغدو في لبنان لعنة منذرة بانفجار الازمات الوجودية والمصيرية حين يزج به في معادلات توازن القوى وتحكيم القوة القسرية والقهرية. ولم يمر زمن طويل بعد على ذاكرة اللبنانيين لنسيان تجربتين لا تزالان ماثلتين بقوة في مندرجات الازمة الحالية نفسها فيما هي تشارف على الثالثة اليوم او بعده، وهما تجربة التصويت على التمديد للرئيس السابق اميل لحود ومن ثم التصويت على طلب انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وفي كلتا التجربتين اصطدمت الحقوق الدستورية واصولها بواقع قسري ادى في المرتين الى تشظي النظام واختلاله وزعزعته تحت وطأة ميزان قوى قهري يخشى ان تكون معالمه قد ارتسمت تكرارا على مشارف ازمة المحكمة المندفعة الآن لاستحضار فصل ثالث مماثل.

بذلك فقط، وبصرف النظر تماما عن المصلحة المباشرة والدوافع الذاتية لكل من الرئيس سليمان والنائب جنبلاط وتداعيات المواقف الجنبلاطية الاخيرة من "اليمين اللبناني"، يتعين على القوى الداخلية والخارجية ان تسلس القياد لهذه الثنائية "الوسطية" في التمديد لآخر فسحة متاحة لابقاء عازل للصدمات قبل اندلاع شرارة الصدام الكبير بين الفريقين "العملاقين" لئلا يعيد التاريخ الحديث جدا نفسه مع استجرار حقبة الصدام بين التمديد اللحودي والقرار 1559 بنسخة منقحة ومحدثة هذه المرة تمتد لتتسع لا للمسار السوري وحده بل للملف النووي الايراني ايضا.

الاختبار العملي لهذه المحاولة الاخيرة لن يتأخر كثيرا على ما يبدو. فاذا قيّض للبنان التمديد لفترة السماح، ستكون الحكومة امام معادلة ثلاثية جديدة في غرة دخولها سنتها الثانية، تتبدل معها المعادلة التي قامت عليها. ومعنى ذلك ان الثنائية الرئاسية – الجنبلاطية قد تكون قابلة للحياة ما لم تمارس على قطبيها ضغوط خارجية موصوفة لحملها على الانحياز الى فريق 8 آذار حصرا بطرق مباشرة او مضمرة. ورغم ارتفاع وتيرة الاستهداف السياسي والاعلامي لرئيس الجمهورية منذ مقاطعة فريق 8 آذار لجلسة الحوار الاخيرة، سيكتسب مضيه في قرار الامتناع عن طرح ملف "شهود الزور" على التصويت بعدا شديد الاهمية، بما يكشف ان الثنائية السورية – السعودية وسواها ايضا لا تجاري ضرب الموقع الوسطي راهنا على الاقل. بل تتقاطع مصالحها معه لمنع انفجار الحكومة من الداخل واستتباعات ذلك في انهيار التوازن الداخلي والاقليمي عبرها قبل صدور القرار الظني وتحت وطأة "الظن" المحموم به. ولعل المفارقة في هذه الحال ان التصويت، لو حصل، سيشكل عنوانا متبدلا مفاجئا لمناخ الازمة الخانقة، اذ ان "صمود" كتلة وزارية وسطية من سبعة وزراء للرئيس وجنبلاط يمتنعون عن التصويت سيكون اكبر من مجرد حدث رادع لزحف الازمة.

اما الحالة المعاكسة، فلا داعي للابحار الاستباقي في محاولة استكشافها، فهي تخبر عن نفسها في يوميات السيناريوات والفرضيات التي لم يعد ينقصها سوى "كبسة الزر" المعهودة لتغدو "وقائع على الارض".

المصدر:
النهار

خبر عاجل