على رغم التطمينات "الأمنيّة" التي حرص قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي على إشاعة أجوائها في البلاد خلال الأيام الماضية إلا أنّ حدّة "التهويل" والضجيج السياسي ما زالت طاغية على أجواء الشارع اللبناني، ثمّة قلق حقيقي عند الشريحة الكبرى من اللبنانيين الذين يتعجبّون من الأحاديث والتحليلات التي يسمعونها حيناً عن اهتزاز الأمن "الهشّ" والاستقرار، وتارة عن "انقلاب" موعود ينتظر ساعة الصفر ، وقد يزيد من أجواء التوتّر هذه على رغم تكرار جملة "الضرب بيد من حديد" لكل من يُهدّد أمن اللبنانيين والسّلم الأهلي، فهل تطمينات قائد الجيش كافية؟
عندما كشف قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي في مقابلة له عن تداعيات احتمال توجيه الاتهام إلى حزب الله في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من قبل المدّعي العام دانيال بيلمار، أوضح للبنانيين أنّه: "أنا قلق ولست خائفا"، وأكّد للبنانيين أن هذا القلق جعل الجيش في جهوزية تامة 24 ساعة، وأن القيادة ضاعفت من وتيرة العمل والاستعداد، وأنّ الضباط والعسكر يعيشون هذا الجو القلق لذلك صارت الجهوزية شبه كاملة ميدانيا للتدخل في أسرع وقت وأينما كان لحظة وقوع أي توتر داخلي"، وساهم كلام قائد الجيش في بث شيء من الطمأنة في قلوب اللبنانيين العزّل عندما خاطب الجميع بقوله: "ممنوع المس بالأمن، وقد ابلغنا الأطراف المعنيين (..) أن الجيش سيكون حاسماً جداً مع أي توتر امني في كل المناطق، خصوصا المناطق المسيحية". ترك هذا التطمين للمناطق المسيحية آثار قلق في المناطق الإسلاميّة التي لم تنسَ بعد أحداث برج أبي حيدر، وسابقتها في عائشة بكار "أن التدخل في الوقت المناسب" قد لا يحين إلا بعد خراب مالطة!! وهل هناك مناطق الإنذار بخصوص أمنها واضح وأخرى وضعها الأمني ملتبس، هذه نقطة بقيت بحاجة إلى توضيح.
وإعلان قائد الجيش العماد جان قهوجي، الذي يرى فيه اللبنانيّون هذه الأيام صمام الأمان الوحيد لحمايتهم من أي تفجير أمني يستهدف البلاد، أن لديه "النية الكاملة لمنع أية فتنة، وأنّ مهمة الجيش منع أي تقاتل بين اللبنانيين (…) وان الجيش اليوم يضغط بكل قواه من أجل أمرين: منع أي تقاتل داخلي ومنع أي تحرك للأصوليين الذين يريدون الإفادة من التوتر الداخلي" هذا كلّه يدفع باتجاه التطمين، ولكن؟!
ما حيلة اللبنانيين عندما "يصبّحهم" زميل صحافي شطح في تحليلاته السياسية صباح الأحد الماضي وهو ينسف كلّ هذه التطمينات من قيادة الجيش فيؤكّد لهم أن "الإنقلاب" واقع، وهو إن وقع سيكون بغطاء "فريق" من الجيش اللبناني!!. جاء هذا الكلام السوداوي والخطير على لسان الزميل سركيس نعوم بعدما جال بنا على زياراته السورية والأميركية والإيرانية، فسوّد "عيشة" اللبنانيين بل وبث الذعر في قلوبهم موحياً لهم أن الجيش ذاهب إلى حال انقسام في وقت يجهد قائد الجيش لتطمين اللبنانيين على وحدة الجيش واستعداده وجهوزيّته، كيف يطمئنّ اللبنانيّون بإزاء هكذا تحليلات "خرافية" تعيدنا إلى زمن "اللواء السادس" في العام 1984؟! هكذا تحليلات مخيفة تناقض إعلان قائد الجيش "أن الجيش أكثر وحدة وتماسكا من ذي قبل… والجيش سيكون الضمانة لجميع الناس وسيبقى بعيداً من أي انقسام وتوتر يشهده البلد".
وآخر التطمينات جاء بالأمس، ومجدداً عبر كلام واضح لقائد الجيش: "أكد أنّ الجيش لن يسمح بتحويل التباينات إلى اضطرابات أمنية تستبيح أرواح المواطنين وأرزاقهم، وتنال من المكتسبات الوطنية التي أدت إلى خروج البلاد من حال الفوضى والانهيار (…) وأن أي تضحية يقدمها الجيش في هذا المجال، تبقى متواضعة أمام الثمن الباهظ الذي سيدفعه الشعب اللبناني بأسره، في حال الانجرار خلف مشاريع الفتنة البغيضة"….
لا يريد اللبنانيون من جيشهم وقيادته أكثر من كلام تطمين يقترن بفعل لحظة تقع الاضطرابات الأمنية، فالجميع مدرك أنها واقعة لا محالة، ولا يريد اللبنانيون من جيشهم وقيادته أكثر من موقف حاسم حازم يطمئنهم إلى أن لا أحد قادر على تخريب مجرى حياتهم وأمانهم وأمنهم واستقرارهم، وهم في الوقت عينه لا يريدون من "عتاولة" الشطح السياسي التحليلي، خصوصاً "زائري" العواصم الدائمين، سوى أن يمتنعوا عن بثّ الذّعر والخوف في قلوب اللبنانيين وزرع الشك في قلوبهم تجاه مؤسساتهم الأمنية وتصويرها في مشهد العاجز عن حماية أمنهم!!