فيما تستمر المعارضة بإثارة ملف الشهود الزور، فهي وإن لم تقدر على تحديد ماهية هؤلاء، فإنها تحافظ على ما يمكن القول عنه في المجال القضائي – القانوني أنه "خيار صعب"، لاسيما ان الإثبات غير متوافر بحسب إجماع المعلومات، وإلا ما معنى طرح الشيء وعكسه في مجال تصحيح الخلل والعودة الى الأصول؟؟
الرئيس نبيه بري يقول إنه مستعد شخصياً لتحمل مسؤولية الوصول بملف الشهود الزور الى القضاء العادي، كي لا يصل مجلس الوزراء الى خيار التصويت حيث لا بد وأن تظهر عورات الحكومة على حقيقتها السلبية، خصوصاً ان التصويت سيؤدي تلقائيا الى معرفة من هو في هذا التوجه ومن هو في الصف السياسي الآخر، لاسيما ان الحرج قد يصل الى مقاربة نظرة الرئاسة الأولى مع الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية، فضلاً عن الصورة التي سيظهر فيها وزراء اللقاء الديموقراطي الدروز، طالما ان لا مجال بعد ذلك للتستر تحت عنوان الوسطية او تحت عنوان الأمر الواقع!
الذين على صورة المعارضة لم تعد الخيارات تهمهم بل معرفة نوع الفرز الوزاري، على أساس ان البلد مقبل على انقلاب سياسي او أمني. وفي الحالين هناك من يهمه ان يعرف أين سيضع رجله في بور قوى 8 آذار او في فلاحة قوى 14 آذار، إضافة الى ان المعارضة تكاد تصل في تقويمها المستجد بعد انقلاب جنبلاط على تحالفاته السابقة الى حد اعتبار وجود حاجة ملحة لمعرفة من الباقي مع 14 آذار (…) بل تحديد ماهية المرشح لأن ينساق وراء تصنيف مختلف عما هو عليه؟؟
وفي عودة الى "الشهود الزور" ثمة من يصر على استغباء نفسه قبل الآخر عندما يصر على ان بالإمكان مقاضاة هؤلاء الشهود من غير حاجة الى تعقب ملفهم في الداخل وفي المحيط في آن (…) أما أولئك الذين يطبلون في عرس الملف الهش فيبدو تصرفهم شبيها بمقولة "عنزة ولو طارت" وهو تصرف استباقي لما يمكن ان يصدر عن المحكمة الدولية، حيث يقال ان "قرار لاهاي لم يعد بعيداً". كما يقال ان من الأفضل بالنسبة الى حزب الله وغيره خلق مناخ تشكيكي تجنباً لمحاذير ابتلاع الاتهام المرشح ان يؤثر على صدقية حزب الله ومعظم حلفائه، وهذا الخوف مبرر أيضاً في المجال المرشح لأن يبلغه القرار الاتهامي، في حال تضمن أسماء ووقائع وملابسات جهات إقليمية ودولية غير مستبعدة أساساً من مثل هكذا توقعات، مهما اختلفت الرؤية الداخلية والشخصية الى من بوسعه تقبل التهمة او التملص منها مهما اختلفت الاعتبارات؟!
من هنا بالذات، تبدو جلسة مجلس الوزراء اليوم في حال عقدها وكأنها بمستوى الخيار الصعب (…) خيار من بوسعه النأي بنفسه قانونياً عن منصة الاتهام الدولي، طالما ان هناك من يصر على وجود مخالفات تحتم العودة الى المجلس العدلي، من ضمن إشارة الرئيس نبيه بري الذي لفت الى استعداد المعارضة لتحمل مسؤولية ملف الشهود الزور مهما اختلفت الجهة التي ستنظر إليه، ومعها الجهة الرافضة لأي تغيير في مسار الدعوى الجنائية الدولية حيث لا مجال أمام أحد لتعديل مجرياتها، بعكس كل ما قيل ويقال عن ان "الرئيس سعد الحريري مطالب بموقف انقاذي"!
وفي مجال تكرار الأخذ والرد يصح القول عن ملف الشهود الزور إنه غير مرشح لأن يبصر النور أمام المجلس العدلي او أمام القضاء العادي، لمجرد ان لا ملف ولا دعوى على رغم كل الادعاءات الباطلة لاسيما انسياق بعض المعارضين وراء فكرة "التشكيك الاستباقي" على طريقة "الحرب الاستباقية"، بما في ذلك وضع المحكمة الدولية في خانة "الصفر السياسي"!
وما يثير التساؤل والاستغراب أنه أمام كل ما يتردد من جانب حزب الله وحلفاء الحزب حيال ملف "الشهود الزور" أنه لم تظهر شجاعة قانونية لدى أي طرف في المعارضة للتبرع بتقديم دعوى في الموضوع ربما لأن الاتكال على الاعلام وحده يساوي الاتكال على إمكان إخضاع مجلس الوزراء عموماً ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان خصوصاً لخيار التصويت مع ما يعنيه ذلك من فرز ملح ان هو مع هكذا توجه او مع عكسه، وعندها فقط لا يعود حزب الله بمنأى عن تفجير الوضع الداخلي بمختلف الطرق والوسائل المتاحة، لاسيما عندما تتضح له ان ثمة أكثرية وزارية ولو شكلية الى جانبه؟!
أوساط مقربة من رئيس اللقاء الديموقراطي – رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ترى ان زيارته أول أمس الى قصر بعبدا تطرقت الى وجوب محاذرة التصويت "كي لا تأتي النتيجة بمستوى الذريعة السياسية". وهذا ما ألمحت إليه مصادر قريبة من "الحليف" ميشال عون الذي يبدو غير بعيد عن تجربة الحلول الساخنة لتحسين صورته السياسية، بعدما أثبتت التجارب ان الصورة الشعبية في آخر اهتماماته، ربما لقناعته ان من يسير وراءه لا يحتاج الى كثير كلام لينساق وراء الجنرال عندما يحين أوان العمل بمقولة "عنزة ولو طارت"، كبداية ضرورية للعودة الى بعبدا بوسائل انقلابية او اقناعية لا فرق؟؟