ما همّ لاهاي من هدير بيروت؟
هذا أقل ما يمكن ان يقال الآن بعدما أصدرت غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أمس، رأيا بالاجماع (لاحظ بالاجماع) رفضت بموجبه الاستئناف الذي قدمه المدعي العام دانيال بلمار، ضد القرار الصادر اخيرا عن قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، والمتعلق بطلب اللواء جميل السيد الاطلاع على المستندات التي استند اليها قرار احتجازه في بيروت.
اذاً فرانسين ضد بلمار وفي مسألة حساسة ودقيقة تتصل بما يضع لبنان على كف عفريت كما يقال انطلاقا من موضوع شهود الزور، الذي يريد "حزب الله" وحلفاؤه احالته على المجلس العدلي خلافا لنظريات خبراء في القانون ومسؤولين في السلطات السياسية، يعتبرون أن القضاء اللبناني هو المكان الصالح لهذه الاحالة، لا المجلس العدلي، وخصوصا وهو الأهم، أن ليس هناك ملف او مستندات يمكن تقديمها حتى الى القضاء العادي في هذه المسألة!
طبعا ليس خافيا على أحد في لبنان، الى أين وصلت الامور في الايام الاخيرة، والى أي مدى تجاوز الاحتقان حدود الخط الأحمر، وخصوصا بعدما بدا ان جلسة مجلس الوزراء أمس كانت حتى لحظة عقدها، أشبه بقنبلة موقوتة يمكن ان تفجر الحكومة وأن تدفع بالبلاد نحو الفوضى والفلتان، وخصوصا بعد سيل السيناريوات الذي وضع في التداول العام، أو بالاحرى في الترويع العام، عندما صار الحديث يتردد صراحة عن اجتياحات واقتحامات واعتقالات واقامات جبرية ورقابة على وسائل الاعلام، وهو ما دفع الكثيرين الى الحديث عن انقلاب متدحرج يعده "حزب الله" من دون الحاجة الى "بلاغ رقم 1" ولا الى مجلس قيادة ثورة، في حين التزم الحزب عدم التأكيد وعدم النفي.
ي ❑ ❑ ❑
واذا كان رئيس الحكومة سعد الحريري يتعمّد هذه الايام ان لا ينسى اطلاق ضحكته وتوزيع ابتساماته، سواء كان راكضا في "ماراتون بيروت" او مستقبلا ضيوفه في السرايا، ربما لأن "البلد ماشي" في النهاية، كما كان يقول والده، وأن يؤكد تكرارا اقتناعه بأن الامور ستبقى في اطار الهدوء والحوار، وأن الاوضاع في البلاد تنقلب الى المطبات السيئة والمؤذية أو بالاحرى المدمّرة اقتصاديا وحياتيا وسياسيا وتعايشا وحوارا وما الى ذلك من خصوصيات هذا البلد السعيد.
كذلك اذا كان سعد الحريري يترفع من موقعه أولا كمسؤول وثانيا كسياسي يحترم نفسه ويحترم اللياقة والناس والآخرين، فلا يرد مثلا بكلمة على الذين يمسكون بيوم الحشر وسدّة الدينونة ويريدون نبش القبور ومحاكمة الذي صار في ذمة ربهم سبحانه وتعالى.
اذا كان كل ذلك واضحا وظاهرا للبنانيين من الناقورة الى النهر الكبير، فإنه لا يعني ان رئيس الحكومة ينام على حرير وأنه ليس قلقا على البلاد والعباد، وخصوصا ان عاما مضى من عمر الحكومة، ولم يتمكن من تنفيذ حرف من الأبجدية التي أرادها برنامجا لحكومة الوحدة الوطنية، فاذا بها من اليوم الأول حكومة المناكفات والكيديات والذبح في نحر الوطن والوحدة الوطنية.
وسط كل هذا الجو المقلق والبائس الذي يجعل من لبنان في نظر الأقربين والأبعدين كومة من الهشيم عند فوهة بركان سينفجر بين لحظة وأخرى، جاء قرار غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية أمس، على شكل صورة رمزية تماما، فقد بدت لاهاي وكأنها تلقي مياها باردة على رأس بيروت المشتعلة.
❑ ❑ ❑
لماذا؟
على الاقل لأن رفض القاضي فرانسين طلب الاستئناف المقدم من المحقق بلمار، جاء ليؤكد مرة ثانية، أن هؤلاء الذين يعملون داخل قاعات المحكمة الدولية ليسوا مجموعة من "العملاء الأميركيين" و"المتآمرين الاسرائيليين"، الذين يعكفون على وضع مؤامرة التسييس في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
في المرة الاولى عندما استجابت المحكمة الدولية طلب اللواء السيد الحصول على المستندات حسب الكثيرون ان المحكمة لن ترد، ثم تنبّه هؤلاء الى أن هذه المحكمة التي تضم قضاة ومحققين من أكثر من 42 بلدا، تحرص على مهنية عالية وعلى صدقية أمام اللبنانيين والعرب والرأي العام العالمي ومجلس الامن الذي شكلها، كما تحرص على سمعة القضاة الذين يعملون فيها، ولهذا استجابت طلب اللواء السيد.
وعندما قدم بلمار طلب الاستئناف الى فرانسين رافضا تسليم السيد الوثائق، ربما ظن البعض انها مجرد مناورة حفاظا على سمعة المحكمة وصورتها.
الآن بعد رفض الاستئناف وبالاجماع، لا يمكن القول ان هناك مناورات، أو أن فرانسين ضد بلمار لأسباب تتعلق بالكيمياء الشخصية، كما قد يتصور البعض انطلاقا من المتعارف عليه في نظام العلاقات القضائية عندنا، لأن من الواضح ان فرانسين يريد عدالة شفافة وحقيقية، ولأن بلمار يريد بدوره ايضا امتلاك ما يرى أنه ضروري لتقديم قرار اتهامي يستند الى الوقائع والأدلة لا الى الظنون والأقاويل، وفي المناسبة سبق له ان قال ان التحقيق الذي يجريه لم ولن يأخذ بشهادات الزور.
ولكن في النهاية لبنان في واد والمحكمة في واد آخر. وبالتأكيد لن تتمكن مياه لاهاي الباردة التي سكبها القاضي فرانسين أمس ان توقف الحماوة المتصاعدة في بيروت!