رئيسا الجمهورية والحكومة، ووزراء 8 و14 آذار ومن بينهما، كانوا جميعاً متفقين وحريصين على اللعبة الديموقراطية والنقاش القانوني والسياسي الهادئ، وكادوا يبتّون ملف شهود الزور مهما كانت النتيجة، ولكنها «صارت الساعة 9 وعشر دقائق»، ففضّل رئيس الجمهورية رفع الجلسة على رفع الأيدي تصويتاً أو…
مضحكة ـــــ مبكية جلسة مجلس الوزراء أمس، بما سبقها وما تخللها وما أعقبها من تلاوة مقررات استخدم فيها وزير الإعلام طارق متري كل فنون الإيماء والكلام، ليجمّل ما حصل وليقنع نفسه قبل الإعلاميين والرأي العام بأن جلسة العيد السنوي الأول لحكومة الوحدة الوطنية كانت هادئة.
مواقف ما قبل الجلسة أوحت بأن قوى 14 آذار ووزراء رئيس الجمهورية واللقاء الديموقراطي و«بعض» المعارضة السابقة مرتاحون إلى «طبخة» ما، مقابل إصرار وزراء حزب الله والتيار الوطني الحر على التصويت. ولم يعرف ما إذا كانت هذه الراحة قد اتكأت على لقاءات نهارية، منها لقاء رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع كل من المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل وعضو كتلة المستقبل سمير الجسر، ولقاءان لرئيس الحكومة سعد الحريري بوزير اللقاء الديموقراطي أكرم شهيب ووزيرة رئيسة الجمهورية منى عفيش، إضافة إلى لقاء الرئيس بري لعضو تكتل التغيير والإصلاح سيمون أبي رميا، إلى الخلوة المعتادة بين سليمان والحريري قبيل الجلسة.
جلسة شهود الزور بدأت برفع الأصابع وانتهت برفع النقاش إلى موعد غير محدد
وبعد توقّع نهاري من الوزير حسن منيمنة بعدم حصول مفاجآت في الجلسة، وجزم النائب عمار حوري بأن «أجواء الجلسة ستذهب إلى كل خير»، سجلت بورصة المواقف لدى وصول الوزراء إلى بعبدا، في جانب المعارضة السابقة: إعلان الوزير حسين الحاج حسن أنه سيطالب بالتصويت على إحالة ملف شهود الزور إلى المجلس العدلي، «لأن هذا الموضوع أشبع نقاشاً»، مؤكداً «سنطلب التصويت، وأي أمر آخر نتحدث فيه لاحقاً ويتابع داخل الجلسة». وقال الوزير محمد فنيش «إن التصويت مطلب المعارضة وموضوع شهود الزور لا يتحمل التأجيل بعد». وفيما توقع الوزير علي عبد الله «أن تكون الجلسة هادئة»، قال زميله محمد جواد خليفة: «نحن نتمسك ببتّ موضوع شهود الزور، إما توافقاً وإما تصويتاً، ومستعدون لقبول النتائج». ولخّص الوزير ابراهام دده يان الموقف بأن «التفاهم أفضل من التصويت والتصويت أفضل من اللاقرار».
ولوحظ تهرّب وزراء 14 آذار من إعلان موقف واضح، إذ قال الوزير ميشال فرعون «المهم ألا يطلبوا منا التحوّل إلى شهود زور داخل الجلسة». وذكّر الوزير محمد رحال بما قاله «إن الجلسة مفتوحة على كل الاحتمالات»، مشيراً إلى أنه سيطرح خلال الجلسة «حريق عين الرمانة»، بينما أعلن الوزير جان أوغاسبيان إنه سيصلي خلال الجلسة».
أما وزراء رئيس الجمهورية واللقاء الديموقراطي، فعكست مواقفهم عدم الرغبة في الوصول إلى التصويت، وهو ما أبداه صراحة الوزير زياد بارود، مع إشارته إلى أنه «كأحد وزراء رئيس الجمهورية أتمسك بتوجيهاته». وتمنى الوزير غازي العريضي التوصل إلى مخرج توافقي. وذكر الوزير عدنان القصار أنه سيصوّت في «المكان الذي يجب أن أصوّت فيه، للمحافظة على مصلحة البلد»، وعندما سئل عما إذا كان سيصوّت إلى جانب المعارضة، سأل بدوره: «هل المعارضة وحدها تحافظ على مصلحة البلد».
في هذه الأجواء انعقدت الجلسة في حضور جميع الوزراء، على مدى 3 ساعات و40 دقيقة، تبيّن خلالها أن عدداً من الوزراء باتوا «مراسلين» لوسائل الإعلام، بدليل أن أكثر من محطة تلفزيونية كانت تبثّ أخباراً عاجلة عن مجريات الجلسة أثناء انعقادها. حتى إن الـ«SMS» الوزارية تولّت إعلان نبأ تأجيل بتّ ملف شهود الزور قبل وزير الإعلام.
التزاماً بجدول الأعمال، بدأت الجلسة ببند ملف شهود الزور، وبه انتهت، وما بين البداية والنهاية، تصويب من وزراء المعارضة السابقة على الموضوع، ومحاولات من وزراء 14 آذار لأخذ النقاش إلى أكثر من مكان. وقد برز موقف لافت للوزير الحاج حسن، الذي أعلن في مداخلة خلال الجلسة أن حزب الله تبلّغ من مصادر مختلفة أن الاتهام السياسي للحزب جاهز وأن الدبلوماسيين باتوا يبحثون مع قيادة الحزب في إجراءات ما بعد الاتهام، وبالتالي لم يعد الكلام الداعي إلى انتظار صدور القرار الاتهامي يحمل أي معنى سوى ترك البلاد عرضة لأزمات خطيرة، وهذا يرتّب مسؤولية مباشرة على مجلس الوزراء، داعياً إلى إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي من دون أي مماطلة أو تمييع.
وردّ الحريري على مداخلة الحاج حسن سائلاً: كيف وافق حزب الله على المحكمة عند تأليف الحكومة بعد اتفاق الدوحة وبعد الانتخابات النيابية الأخيرة. فسارع الوزير فنيش إلى الرد على رئيس الحكومة، مذكّرا بأن حزب الله رفض المحكمة في عام 2006 عندما انسحب وزراء الحزب وحركة أمل والوزير يعقوب الصراف من الحكومة.
لم يقتصر التساجل على الحريري ووزيري حزب الله، بل شمل الوزير شربل نحاس الذي قدم مداخلة قال فيها إن المجتمع الدولي ليس طوباوياً، فهو يمارس نفوذه من خلال الحروب أو الضغوط. ورأى أن البعض في لبنان يخضع للضغوط، فيما نحن كسلطة سياسية لا نملك في مواجهة هذه الضغوط سوى التضامن عبر إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، مستغرباً النقاش في هذا الشأن. وأضاف «إن غايتنا من ذلك تحصين أنفسنا، لأننا دولة ضعيفة في لعبة الدول الكبرى».
ويبدو أن حديث نحاس عن خضوع البعض للضغوط أثار حفيظة رئيس الحكومة، فردّ غاضباً أن ابن رفيق الحريري لا يخضع لأي ضغوط، وهو يتخذ قراراته باقتناع كامل. وقال وزراء إنهم رأوا الحريري يشير إلى نحاس بإصبعه عند مغادرته القاعة وسمعوه يخاطبه: «اسمع يا شربل نحاس، هذا الكلام ستدفع ثمنه غالياً»، فردّ نحاس بالمثل، إذ التفت إلى الحريري وأشار بإصبعه إليه، مخاطباً إياه: «هذا الكلام لا يليق أبداً بشخص يريد أن يكون رئيس حكومة».
وقدّم الوزير العريضي مداخلة طويلة، مهّدت لتأجيل بتّ الملف إلى ما بعد عيد الأضحى. وقد انطلق في مداخلته من أن مواقف الحريري تدل على رغبته في إنجاز هذا الملف، ومن أن الجميع متفقون على وجود شهود زور.
ثم تعاقب على الكلام جميع وزراء 14 آذار، ما عدا وزيرة المال ريا الحسن، وحاول هؤلاء أن يغرقوا الجلسة بنقاشات في شأن تأخير الموازنة وتعطيل التعيينات الإدارية، إلا أن وزراء المعارضة السابقة لم يسمحوا بذلك، وأصرّوا على حصر النقاش في ملف شهود الزور.
واقترح رئيس الجمهورية تأليف لجنة برلمانية لبحث الموضوع، معدداً 9 أسباب لتبنّي هذا الاقتراح، أهمها أن البرلمان هو السلطة الأعلى في التشريع، ولديه القدرة الدستورية على نقاش هذا الموضوع، وأن كل الكتل يمكن أن تكون ممثلة. لكن هذا الاقتراح لم يحظ بأي اهتمام من طرفي النزاع في مجلس الوزراء، رغم أن الجميع أثنوا على جهود سليمان لمحاولة إيجاد حل لهذه القضية. وكان لافتاً أن وزراء حزب الله التزموا الهدوء.
المعلومات الرسمية
… وصارت الساعة التاسعة وعشر دقائق، فأُجّل البحث في الملف إلى جلسة لاحقة لم يحدد موعدها، بحسب ما أعلن وزير الإعلام الذي قدم صورة وردية لما حصل في الجلسة، بقوله إن رئيس الجمهورية أشار بداية إلى أن جلسة أمس «هي أول جلسة في السنة الثانية من عمر الحكومة التي بذلت جهوداً كبيرة مجتمعة أو من خلال وزرائها، غير أن إنتاجنا لم يكن بحجم الجهود»، آملاً «أن نستطيع تحقيق إنجازات أكثر في المستقبل، مهما تكن الخلافات، وأن نعالج المسائل الأساسية المثارة في بياننا الوزاري، ولا سيما ما يتعلق منها بمشكلات الناس». ثم لفت إلى أن الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية «تتطلب منا التضامن، وهو سبيلنا إلى معالجة المشكلات». ووافقه رئيس الحكومة على أنه بعد انقضاء عام من عمر الحكومة «تبيّن للجميع أن الإنجازات القليلة تطلّبت جهوداً كبيرة، وأنه يؤسفنا ألا تتمكن حكومة الوحدة الوطنية من تنفيذ ما وعدت به، ولا سيما ما يتعلق منها بأولويات المواطنين، وذلك بفعل المناكفات السياسية، كذلك فإن الصراع السياسي طغى على عمل الحكومة على غير صعيد». وأطلع الحريري المجلس على عزمه على السفر إلى موسكو في 14 من الجاري، وعلى عزم رئيس وزراء تركيا على زيارة لبنان في 25 منه.
بعد ذلك، وبحسب متري أيضاً، باشر المجلس مناقشة جدول أعماله بدءاً من مسألة شهود الزور، «ودار نقاش قانوني وسياسي، وتحدث عدد كبير من الوزراء، وقدمت اقتراحات معروفة نوقشت غير مرة داخل المجلس وخارجه، وإن كانت تناقش دائماً داخله بروح حوارية لمحاولة السعي إلى التفهم المتبادل، بخلاف ما نسمعه أحياناً في النقاشات في الساحات العامة».
أضاف أنه بعد مناقشة طويلة، لخّص سليمان آراء المجلس بقوله: «أرى أن لا جدوى من التصويت في مسألة كهذه، لأن من شأنه أن يعمّق الخلاف بيننا ولا يؤدي إلى بتّ الموضوع، ونحن نحتاج إلى المزيد من البحث عن التوافق على حل مُرض».
وأشار متري إلى أن سليمان كان قد «طرح على المجلس، خلال المناقشة، أفكاراً جديدة، رأى عدد كبير من الوزراء أنه يحتاج إلى وقت لدراستها، لكنه منفتح على بحث هذه الأفكار، على أن تبحث مع القضية في جلسة لاحقة لم يحدد موعدها، لكن قد تكون على الأرجح الأسبوع المقبل، وهو أمر منوط باتفاق بين فخامة الرئيس ودولة الرئيس على الموعد. ولم يتابع المجلس مناقشة بقية البنود الواردة على جدول الأعمال، لأن الزمن تقادم».
وفي حواره مع الصحافيين، ذكر متري من الأفكار التي طرحها رئيس الجمهورية «الحديث عن لجنة تحقيق برلمانية، وأطلعنا على الأسباب الموجبة لإنشاء لجنة كهذه استناداً إلى تجارب أخرى في أنظمة ديموقراطية في العالم، لكننا بحاجة إلى المزيد من الدراسة»، مردفاً بأن «حرص فخامة الرئيس على التوصل إلى اتفاق، كان أهم من الأفكار التي عرضها».
ونفى أن يكون رفع الجلسة وعدم تحديد موعد للجلسة المقبلة «مرتبطين بانتظار شيء ما، بل هما مرتبطان بانتظار اتفاقنا». وأعلن موعداً مبدئياً للجلسة الثانية «الأسبوع المقبل».