عُقِد مجلس الوزراء اللبناني أمس برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعد أن نجح الأخير في جهود واصلها حتى ما قبل عقد الجلسة بقليل في تجنب حصول المواجهة السياسية داخلها عبر تفادي التصويت على مطلب المعارضة إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، مقابل رفض رئيس الحكومة سعد الحريري ووزراء «14 آذار» هذا الخيار، إلا أن الأزمة بين الفريقين والتي تتعدى ملف شهود الزور الى موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والأوضاع الإقليمية المتحركة، بقيت في عنق الزجاجة، وتأجلت معالجتها الى ما بعد عيد الأضحى المبارك الأسبوع المقبل.
وإذ خيّم الهدوء النسبي على الجلسة في ظل نقاش «جدي وقانوني وسياسي»، فقد رفد اتصالات الرئيس سليمان لهذا الغرض، مناخ استمرار التواصل السعودي – السوري في شكل رئيسي والذي بقي لبنان في دائرته من زاوية متابعة جهود التهدئة وإعطاء الأولوية للحوار فيه، إضافة الى الاتصالات اللبنانية مع دمشق وكان آخرها زيارة رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط العاصمة السورية يرافقه وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي ليل أول من أمس التي عادا منها بعد ظهر أمس قبل دقائق من جلسة مجلس الوزراء بأجواء تساعد على تمرير الجلسة وتأجيل المواجهة.
وتلا وزير الإعلام طارق متري المقررات الرسمية للجلسة قائلاً إن رئيس الجمهورية استهلها بقوله إنها أول جلسة في السنة الثانية من عمر الحكومة، «التي بذلت جهوداً كبيرة مجتمعة، أو من خلال وزرائها، غير أن إنتاجها لم يكن في حجم الجهود.
وأضاف سليمان: «نرجو أن نستطيع أن ننجز أكثر في المستقبل اياً كان من أمر الخلافات، وأن نعالج المسائل الأساسية المثارة في بياننا الوزاري، لا سيما ما يتعلق منها في مشكلات الناس». وتابع: «ان الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والإقليمية والعالمية تتطلب منا التضامن وهو سبيلنا لمعالجة المشكلات، ولكي نكون على مستوى توقعات الناس وتطلعاتهم».
ورأى «أن شرط الإنجاز التزام المسؤولية الوطنية وروح المشاركة التي هي ميثاق العيش المشترك، ذلك أن نظامنا الديموقراطي يقوم على هذا الميثاق وليس مجرد نظام لتقاسم الحصص».
وشدد سليمان على «الظروف المحيطة ببلدنا، لا سيما ما يتصل منها بالسياسة الإسرائيلية التي لا توحي بالرغبة في السلام ولا في إعادة الحقوق الى أصحابها».
وأوضح الوزير متري أن الرئيس الحريري رأى أنه «بعد انقضاء عام من عمر الحكومة تبين أن الإنجازات القليلة تطلبت جهوداً كبيرة، وأنه يؤسفنا ألاّ تتمكن حكومة الوحدة الوطنية من تنفيذ ما وعدت به، لا سيما ما يتعلق بأولويات المواطنين، بفعل المناكفات السياسية، فالصراع السياسي طغى على عمل الحكومة».
وأطلع الحريري مجلس الوزراء على عزمه السفر الى موسكو الأحد المقبل وعزم رئيس وزراء تركيا (رجب طيب أردوغان) على زيارة لبنان في 25 الجاري.
وقال متري إن مجلس الوزراء ناقش البند الأول المتعلق بقضية شهود الزور ودار نقاش قانوني وسياسي، وتحدث عدد كبير من الوزراء وقدمت اقتراحات بعضها معروف ونوقش غير مرة داخل مجلس الوزراء وخارجه، وإن كانت تناقش دائماً داخله بروح حوارية لمحاولة السعي للتفهم المتبادل خلاف ما نسمعه أحياناً في النقاشات في الساحات العامة. وبعد مناقشة طويلة لخص رئيس الجمهورية آراء مجلس الوزراء بقوله: من مجمل النقاش أرى ألاّ جدوى من التصويت في مسألة كهذه لأن من شأنه أن يعمّق الخلاف بيننا، نحن نحتاج الى مزيد من البحث عن التوافق على حل مُرضٍ.
وأوضح متري أن الرئيس سليمان كان طرح خلال المناقشة على مجلس الوزراء أفكاراً جديدة، رأى عدد كبير من الوزراء أنها تحتاج الى وقت لدراستها لكنه منفتح على بحث هذه الأفكار، على أن تبحث ومعها قضية شهود الزور عموماً في جلسة لاحقة لم يحدد موعدها، لكنها ستكون على الأرجح الأسبوع المقبل، لكن مع الأعياد سيتفق رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية على موعدها. وقال متري: «لم نتابع مناقشة بقية البنود على جدول أعمالنا لأن الزمن تقادَم».
وعن الأفكار التي قدمها الرئيس سليمان، قال متري: «أفكار عدة لحلول منها الحديث عن لجنة تحقيق برلمانية وأطلعنا على الأسباب الموجبة لإنشاء لجنة كهذه استناداً الى تجارب أخرى في أنظمة ديموقراطية في العالم، وأسباب موجبة طويلة، لكن نحن في حاجة الى مزيد من الدراسة والتفكير، إلا أن رئيس الجمهورية، وأهم من الأفكار التي عرضها، أكد الحرص على الوصول الى اتفاق، وقال إن هذه المسألة التي نبحث والتي جرى تكبيرها الى الحد الذي تعلمونه لا يمكن أن يبت بها من طريق التصويت على اقتراح محدد من الاقتراحات التي لم يقبلها الوزراء والتي لم ترد في تقرير وزير العدل إبراهيم نجار».
وعلمت «الحياة» أن الهدوء ساد الجلسة باستثناء مشاحنة جرت بين وزير الاتصالات شربل نحاس والرئيس الحريري، إذ ان الأول قال في معرض حديثه عن ملف شهود الزور: «إننا على كل حال نعلم أن هناك ضغوطاً تمارس»… فقاطعه الحريري قائلاً: «أوضح. ضغوط على من؟» فاكتفى نحاس بالقول: «ضغوط…». وسأله الحريري: «من الذي يضغط»، فلم يجب. وأضاف الحريري: «تريد أن تقول إن إسرائيل تضغط علينا؟». فأجابه نحاس: «نعم». فاستشاط الحريري غضباً وقال: «أنا لا أسمح لك بهذا الكلام وهذا كلام غير مقبول ونحن تحمّلنا الكثير من هذه الاتهامات المرفوضة ولم نعد مستعدين لتحمل إشارات وتلميحات كهذه، وأنا لست مضطراً لأن أكون في موقع كهذا لأرد على هذه الأمور». وزاد الحريري: «على كل حال نحن نعرف من يضغط عليكم ولدينا كل التفاصيل في هذا الصدد ونعرف ما هي الأهداف الكامنة وراء كل هذا الضغط والحملات التي تحصل».
وقالت مصادر وزارية إن وزير العمل بطرس حرب علّق على اقتراح سليمان تشكيل لجنة برلمانية بالقول: «نرى ماذا يحصل في البرلمان من إعاقة كل الأمور، لا سيما في لجنة المال والموازنة. وهذا اقتراح يحتاج الى دراسة».
وكانت مداخلة لوزير التربية حسن منيمنة في بداية الجلسة قال فيها: «لنتحدث بواقعية. النقاش القانوني حول شهود الزور لا يقنع أحداً والموضوع يتعلق بالمحكمة وهدف التخلي عنها ونحن نعرف أن كل المواقف التي تصدر في شأن شهود الزور تصب في مشروع سياسي. وأنتم وضعتم المحكمة في مواجهة الاستقرار وفي مواجهة المقاومة وهذا غلط».
وأضاف منيمنة: المحكمة نعتبرها عنصراً إيجابياً لمصلحة الاستقرار. وتحقيق العدالة ووقف الاغتيالات. ونحن نعتبر المقاومة قوة للبنان من أجل رد العدو الإسرائيلي والمحكمة هدفها ردع الاعتداءات الداخلية. وبالتالي علينا التوصل الى موقف يحفظ المقاومة والمحكمة معاً.
وأدلى وزير الزراعة حسين الحاج حسن بمداخلة مطولة جدد فيها التأكيد أن شهود الزور خربوا العلاقة مع سورية وسمموا أجواء البلد بسبب الاتهامات، ما أدى الى ظلم أشخاص والى فقدان المحكمة الصدقية. فسأله الحريري: «لماذا وافقتم في البيان الوزاري على المحكمة؟». وتحدث الوزير محمد فنيش قائلاً: «وافقنا لأننا لسنا ضد العدالة وحريصون عليها وكانت الظروف السياسية مختلفة وكان هناك مناخ كلنا نعرفه».
وقالت المصادر الوزارية لـ «الحياة» إنه بعد مداخلات عدة من الوزراء اقترح وزير الأشغال غازي العريضي أن يتم رفع الجلسة وأن ندرس اقتراح رئيس الجمهورية ونفتح مجالاً للحوار من أجل الجلسة المقبلة.
وأوضحت مصادر وزارية أخرى لـ «الحياة» أن تمرير الجلسة نتيجة الجهود التي بُذلت لا يلغي كون الوضع في البلاد شديد الصعوبة، لا سيما «في ظل استمرار الضغوط الخارجية على سورية وانضمام الإعلام الإسرائيلي الى هذه الضغوط عبر التسريبات عن القرار الاتهامي الذي يفترض صدوره من الادعاء الدولي في المحكمة الخاصة بلبنان، والتي تتناول «حزب الله» وسورية وهذا يبقي لبنان في عين العاصفة والتجاذبات الخارجية».
وسبق الجلسة استمرار الاتصالات الهاتفية منذ أول من أمس بين الرئيسين سليمان والحريري ومع رئيس البرلمان نبيه بري، كما أن سليمان التقى صباح أمس النائب علي حسن خليل موفداً من المعارضة لإبلاغه بتوجه وزرائها الذين اجتمعوا أول من أمس والقاضي بحسم ملف شهود الزور عبر التصويت لإحالته على المجلس العدلي إذا تعذر التوافق على الأمر، وأن المعارضة تسلّم بالنتيجة سلباً أو إيجاباً.
وعلمت «الحياة» أن سليمان أكد لخليل أن البلد منقسم «ولا أريد أن أكرس هذا الانقسام العمودي في مجلس الوزراء لأنه ينعكس انقساماً حاداً في الشارع. وأنا لذلك على موقفي بتجنب التصويت على هذا الاقتراح، خصوصاً أن الرئيس الحريري ضد التصويت، فضلاً عن أن الواقع الراهن لتوزع الأصوات ينبئ بأن هذا الاقتراح لن يحصل على الأكثرية».
وأشارت مصادر مطلعة الى أن سليمان أكد أنه سيفتح النقاش حول الملف، «لكنني عندما أرى واجباً عليّ التدخل للحؤول دون التصويت الذي يؤيدني فيه النائب جنبلاط، فسأستخدم حقي الدستوري برفع الجلسة تفادياً لأي مواجهة». وقالت أن النائب خليل قال لرئيس الجمهورية: «إننا نحترم هذا الحق الذي لا جدال فيه ونحن سنقول موقفنا بالإصرار على بت الملف إذا حصل ذلك». وأوحت المصادر بأن المعارضة ستتعاطى بهدوء مع تأجيل التصويت.