#adsense

أرض القديسين والزعران!

حجم الخط

يخطف الترقّب أنفاس البلاد. هو الشعور بالتربّص. تقف على تلة الوطن وتتأمل الذعر المؤجّل، المتهالك فوق رموش العين. عين البلاد ترفّ بسرعة تفوق سرعة نبضات القلب. أقف في قلب بلادي، قلبي عليه، عيني عليه، وقلب اخرين وعيونهم تنبض لغير قلوب وعيون.

لا نعرف ما تفعل بنا هذه الارض. كيف تجعلنا قديسين وزعران في آن واحد. أقف على شفير الخوف أرتجف من نسر يحلّق فوق رأسي، يريد انتزاع اخر قطعة لحم ملتصقة في جوف صدري. يريد انتزاع القلب، كي لا يعود ينبض، لا بحبّ الارض، ولا بحب ذاك الرجل الذي أحب، ولا بحبّ هؤلاء الاطفال، الذين تغزل عيونهم حكاية وطن لمستقبل يجب أن يكون افضل.

تُغرقنا هذه الارض بحبّ مستحيل. كل حبّ يبدو أحيانا مستحيلا. عندما نعشق كثيرا نصبح أسرى الاوهام. يصبح الحبيب مشروع خيانة دائمة، والغيرة مشروع جنون دائم، ومن نحب، وان كان على مرمى المسافة بين الشفاه والقلب، يصبح وكأنه على مسافة أجيال وعمر بحاله.

أقف ممن أحبّ على مسافة القلب والعين، وأراه يبتعد في افق المجهول. وجهه من وجه بلادي. أبيض حلو ينبض بالعنفوان وبأمل الدنيا كلها… وبالخيبة. أرى أرضي تبتعد، تزحل في نفق المنافقين والتجار والعملاء. أمدّ يدي الى وجه وقلب من أحب. فأغرق في نشوة اللمس الحلم. استيقظ، فأرى يدي فارغة تلعب بها ريح الفراق. أمشح يدي فوق السهل الاخضر الممتنع، وماء النهر المهرولة، فتهرب مني المسافات. أين ستذهب المسافات؟ من سيحتلها؟ من سينتزع مني وجه بلادي ووجه من أحب؟

تحت الشمس الدافئة أرتجف كورقة خريف. أخشى من أن، اذا بقي الحبّ مستحيلا، أن أغرق في الضجر. أن يأخذني اليأس الى الفراغ، الى القبول بكل أمر واقع. أن أقبل بالمحتلين الجدد. اذا أنا استسلمت ورضخت وضعفت وجبنت….وقبلت، هل يقبل صاحب الوجه الابيض الحلو المغروز في وجهي، والذي يرسم فوق جباهه العالية، صورة عن صنين والشيخ والباروك وثلوج الارز؟

أضع رأسي تحت الماء الباردة المتجلّدة، كي تنتعش فيّ نخوة الامل. كي أتذكّر من أنا. أسبح في عينيه، أصارع موج الحبّ الجارف…. جارف نحو هاوية اللا أمل. أكافح موج الضعف البشري الذي يتنازعني. كيف تلاحقنا العيون الى حيث نظن انها مخابىء نووية لا تُخرق، الى الافكار. الى الذاكرة. أين أهرب من عيونه الخضراء الواسعة، كسهل متماوج بالخيرات، لا تحدّه حدود الا السماء والانتماء اليه واليها، الارض؟

تحت حمى الحب يبدو اني أهلوس. هذا ما تفعله بنا هذه البلاد. بالامس راقبت المشهد حول طاولة مجلس الوزراء. ملف شهود الزور أو الاعاقة!! أين نقف نحن من هذه الطاولة؟ وقفت البلاد على صفحة سوداء، في ملف وهمي، اختلقته مخيلة لم تكن واسعة الحيلة هذه المرّة لتمرر شرورها، وان كانت كافية لتنغّص مزاج الوطن. الوطن! على حافة تلك الطاولة وقف الوطن حائرا أمام شاشات الكومبيوتر المدروز الفارغ المنتصب أمام عيون، بعض العيون، التي فرغت من ماقيها، صارت بلا بؤبؤ، وتحوّل بياضها الى مآق فارغة، بلا لون، بلا بريق بلا حنان بلا تعبير… قاسية كحجر ينتظر اليد التي ستضرب ضربتها الاولى. عيون فرغ منها الوطن، سال من مآقيها مع حبر آخر توقيع على تسليم البلاد الى واد من الذئاب…

نظرت الى الصورة التي جمعتهم، فلم أجد أحدا يقف الى جانب أحد. كانوا كمن يدورون في حلقة رياح هوجاء. يتخبّطون، يتعثّرون، يتضاربون… مددت يدي أتلمّس وجه من أحب لانقذ روحي من الرعب، لأرى صورة بلادي النقية، صورة السهل والجبل والضيعة، فصفعتني اخر صورة عن لبنانيين، يتناسون انهم لبنانيون، يصفعون البلاد بعنجهية القوي ووقاحة العميل، وينسون، ينسون انهم سيتلقّون صفعة أقسى بكثير، لان الارض تبقى وهم يرحلون، ولن ينالوا حتى شرف بأن يكونوا سمادها… وسيبقى الوجه الابيض الحلو، هو نفسه من أعشق. وجهه صفحة الحب الكبير والعنفوان النقي المتبقي في وجه بلادي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل