الحوار الحقيقي مع "حزب الله" لم يقم بعد والمطلوب مبادرة في هذا الاتجاه
المشكلة الأساسية تكمن في مشروع الهيمنة الفئوية
لم يقم أيّ حوار منهجيّ ومعمّق، فعليّ وحقيقيّ، بين "حزب الله" وبين الجماعات الأهلية والقوى السياسيّة الأخرى التي تشكّل الواقع اللبنانيّ. يسري ذلك على تاريخ علاقة الحزب بالشركاء في الوطن منذ نشأته في أعقاب "الثورة الإسلامية" الإيرانية والإجتياح الإسرائيليّ للبنان وإلى اليوم. والأمر يعني علاقة "حزب الله" بالأطراف المخاصمة له أيديولوجياً وسياسيّاً، لكنه يمتدّ أيضاً ليشمل حلفاء له.
فالحوارات الآنية والظرفيّة التي قامت بين الحزب والقوى الأخرى على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، على أهميّتها، لا تغني عن حوار في العمق، يتّصل بالمسائل الجوهريّة، أي تلك التي تتعلّق بتأمين المساواة بين اللبنانيين، على صعيد الجماعة وعلى صعيد الفرد، وتأمين العلاقة السليمة والسويّة بين الطوائف اللبنانية والدولة، وبين الطوائف اللبنانية في ما بينها، سواء على الصعيد الإسلاميّ المسيحيّ أو على الصعيد الإسلاميّ الإسلاميّ.
وفي غياب الحوار المنهجيّ والمعمّق لا يبدو أنّه بمستطاع الحزب إدراك حقيقة مخاوف اللبنانيين من مشروع يسعى إلى تحقيق نظام هيمنة فئوية جديدة وبأفق شموليّ، وأن هذه المخاوف فعلية ونابعة من الذات، وهي ذات طابع وجوديّ وقيميّ، اضافة لطابعها الإجتماعيّ والثقافيّ والأمنيّ، وليست مقحمة ولا مصطنعة أو مفتعلة.
بل أكثر من ذلك، يختزل الحزب مخاوف اللبنانيين من مشروع إحلال نظام هيمنة واضطهاد يكون في الوقت نفسه نظام مغامرة وانغلاق، إلى خوفهم من السلاح الذي يمتلكه هو تبعاً للنظريّة الممانعاتية في ازدياد الحاجة إلى المقاومة بعد التحرير، أي أنّه هنا يقلب السبب والنتيجة. الناس لا تخاف من "السلاح" بحدّ ذاته، وقلقها ليس مردّه فقط أنّها لا تملك السلاح والحزب مالكه، إنّما المشكلة الأساسيّة أنّ احتكار "حزب الله" للسلاح الخارج عن أمرة الدولة ونطاقها إنّما يرتبط بمشروع هيمنيّ، كما أنّ هذا المشروع الهيمنيّ يرتبط بمشروع أيديولوجيّ، ويتداخل ذلك مع سياسات وهواجس سكّانية وإسكانية، أي مع التوتّر العميق في التركيبة اللبنانية، عنينا به التوتّر الديموغرافيّ.
وإذا أردنا أن نعيد تنظيم عناوين الخلاف الأساسيّة بين الحراك الإستقلاليّ وبين "حزب الله" لا بالشكل الآنيّ الظرفيّ وإنّما على أساس بنيويّ كيانيّ لوجدنا أنّ المشكلة هي أوّلاً حول المشروع الهيمنيّ المنطلق من ثلاثية "الأيديولوجيا المنغلقة" و"الديموغرافيا التعبوية" و"العنف الخارج عن الدولة"، والمشكلة هي ثانياً حول السلاح ومستقبله وتعارضه مع مبدأ تقرير الدولة لحال الحرب من حال السلم ومع مبدأ سيادة القانون على أراضي الجمهورية كافة، والمشكلة هي ثالثاً حول موقف "حزب الله" من المحكمة الدوليّة، على خلفية إعراضه عن إجماع شارك فيه على طاولة الحوار، وتناسيه أن الإجماع لا يلغى إلا بإجماع بديل.
فإذا كانت المشكلة الثالثة، مع موقف "حزب الله" من المحكمة، هي مشكلة تنصّله من إجماع على طاولة الحوار، وإذا كانت المشكلة الثانية، هي مشكلة تفريغ النقاش حول الإستراتيجية الدفاعية من المضمون المطلوب، فإنّ المشكلة الأولى تظلّ أكبر، إذ لم يقم الحوار الجدّي والعميق حول المشروع الهيمنيّ لـ"حزب الله" وحول حقيقة المخاوف اللبنانية في هذا الإطار، وفي غياب مثل هذا الحوار فإن الحزب او حلفاء له يملأون المساحة الفارغة بكم من التخوين والتعنيف.
المشكلتان الثانية والثالثة تتصلان بمسألتين واحدة أجمعت عليها "طاولة الحوار" والثانية بقيت عالقة على هذه الطاولة وظلّ البحث الجدّي فيها يتأجّل. أما المشكلة الأولى، الأساسية، فلا يبدو أن الطاولة جاهزة أصلاً للخوض فيها، ولا يبدو أنّ ثمّة قدرا كافيا من الوعي المطلوب بضرورتها، وهذا أمر يتخطّى "حزب الله" وحده ليشمل أصدقاءه وأخصامه على السواء.
وهذه المشكلة الأولى، مشكلة المشروع الهيمنيّ لـ"حزب الله" أو ما تتعامل معه أكثرية اللبنانيين الساحقة على أنّه مشروع هيمنيّ، هي التي ستظلّ تفرض على "حزب الله" سمة أجنبية لظاهرته ولثقافته وسلاحه وطابعاً أجنبياً إستشراقياً لكيفية مقاربته للشأن اللبنانيّ. إن خروج "حزب الله" من طابعه الأجنبيّ الإستشراقيّ، كما إعادة خلق حيثية متمايزة له ضمن المنظومة الإقليمية التي ينتمي إليها، كما عودة هذا الحزب إلى "السياسة" بعد أن غادرها منذ سنوات نحو دائرة التخوين والتعنيف، كلّها عناوين مرتبطة بقيام الحوار الحقيقيّ، الحوار مع "حزب الله" في العمق، لمعرفة إلى أين يريد أن يذهب بنفسه، وبالبيئة التي يعبّر عنها، وبالمجتمع اللبنانيّ ككل، وبالكيان اللبنانيّ كما عرفناه، ومعرفة هدفه النهائيّ، والسبيل الذي ينتهجه للوصول إليه.
لأجل ذلك، وبقدر ما أنّ المشكلة الأولى هي الأكثر جذرية وصعوبة، فربّما كانت المبادرة لطرحها الآن هي القادرة على فتح ثغرة في الإنسداد الحاصل في ما عنى الإستراتيجية الدفاعية، والقادرة على الفصل بين المشكلات الأهلية بين اللبنانيين وبين مسار المحكمة الدولية الذي لا سبيل إلى إيقافه.
طرح المسألة الخلافية الأولى هو شرط استئناف البحث عن كلمة سواء تجمعنا مع "حزب الله" تحت سقف لبنانيّ واحد.