#adsense

“النهار”: إستنفار دولي ومبادرة متوقعة من الأسد قبول المحكمة ثمن إصلاح العلاقات اللبنانية – السورية

حجم الخط

كتب عبد الكريم أبو النصر في صحيفة "النهار":

"المعركة اللبنانية – الإقليمية – الدولية المستمرة حول المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية أخرى مرتبطة بها أبرزت ثلاث حقائق أساسية هي الآتية:

أولاً – يصعب جداً فتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا وتحسين العلاقات بين البلدين قبل اقفال ملف جريمة إغتيال الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى بطريقة عادلة وقانونية وسليمة تتلخص في ترك المحكمة تصدر القرار الظني وتواصل عملها الى النهاية.

ثانياً – لن يستطيع نظام الرئيس بشار الأسد إقامة علاقات جيدة ومتينة ومستقرة مع لبنان بالإعتماد على حلفائه وحدهم لأنهم ليسوا حكام البلد بل هم جزء من الحكم ولأنهم ليسوا قادرين لأسباب عدة على تسلم السلطة بالقوة ولو امتلكوا السلاح. بل ان نظام الأسد يحتاج الى التفاهم مع سعد الحريري زعيم الغالبية النيابية والشعبية ومع الإستقلاليين عموماً كي تكون العلاقات اللبنانية – السورية جيدة ومتينة ومفيدة للبلدين. والتفاهم مع الحريري والإستقلاليين يقضي بأن يوافق النظام السوري على تلبية مطالب أساسية لهم.

ثالثاً – أسفرت حملة المسؤولين السوريين وحلفائهم على المحكمة عن نتائج معاكسة تماماً لتوقعاتهم وحساباتهم، ذلك انها لم تدفع الدول العربية والأجنبية الداعمة للبنان المستقل الى التخلي عن هذا البلد بل أدت الى إستنفارها ودفعتها الى تركيز إهتمامها بقوة على تطور الأوضاع فيه وعلى مسار العلاقات اللبنانية – السورية موجهة تحذيرات عدة الى دمشق، كما جعلتها تضع خططاً لم يكشف مضمونها حتى الآن لمواجهة السيناريوات والإحتمالات المختلفة المهددة لأمن اللبنانيين وإستقرارهم. وزادت هذه الحملة تمسك المجتمع الدولي بالمحكمة وتصميمه على كشف حقائق الجرائم السياسية التي شهدها البلد ومحاسبة المتورطين فيها".

هذا ما أوضحته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الإطلاع في باريس، مشيرة الى أن العلاقات بين الأفرقاء اللبنانيين وبين لبنان وسوريا وصلت الى "لحظة الحقيقة الصعبة" مع إقتراب موعد صدور القرار الظني. واستناداً الى هذه المصادر المعنية بالملف اللبناني، أظهرت الإتصالات العربية والدولية التي جرت أخيراً مع جهات وقيادات لبنانية وسورية بارزة الأمور الآتية:

أولاً – ان العلاقات اللبنانية – السورية دخلت مرحلة من "التأزم المكتوم وغير المعترف به رسمياً" وليس ممكناً تحديد مصيرها ومعرفة طبيعة توجهها ومسارها قبل أن يصدر المدعي العام الدولي دانيال بلمار قراره الظني نظراً الى تمسك الطرفين الأساسيين في المعادلة، أي دمشق وحلفاؤها من جهة وسعد الحريري والإستقلاليون من جهة اخرى، بمواقف أساسية صلبة يصعب التوفيق بينها.

ثانياً – يصعب جداً القيام بوساطة عربية أو إقليمية أو دولية بين نظام الأسد وحلفائه من جهة والحريري والإستقلاليين من جهة اخرى لإزالة التوتر الشديد بين الطرفين، ذلك أن الفريق الأول يرى في المحكمة تهديداً أساسياً لمصالحه الحيوية "وخصوصاً إذا ما إتهم القرار الظني فعلاً عناصر من "حزب الله" وآخرين مرتبطين به بالتورط في جريمة إغتيال الحريري بناء على أدلة قوية وصلبة وقاطعة وعلى قرائن قوية وواضحة، كما إن الفريق الثاني يرى في المحكمة مصدر حماية له ولللبنانيين عموماً ووسيلة لتعزيز الأمن والإستقرار وتحقيق العدالة من خلال رفض الخضوع للقوة المسلحة وللترهيب والإصرار على معرفة الحقيقة ومحاسبة المتورطين في جريمة إغتيال الحريري وفي جرائم أخرى مرتبطة بها.

ثالثاً – يصعب جداً إصلاح العلاقات بين النظام السوري والحريري وحلفائه إذا ما ظل هذا النظام حريصاً على تأمين مصالحه ومصالح حلفائه على الساحة اللبنانية في الدرجة الأولى متجاهلاً المصالح الحيوية المشروعة للغالبية من اللبنانيين. والمطلوب من الرئيس الأسد أن يعتمد في لبنان النهج الذي يعتمده في تعامله مع العراق إذ قال في هذا الشأن في مقابلته الأخيرة مع "الحياة": "يجب أن تكون لدينا علاقات جيدة مع جميع الأطراف العراقيين. فمن غير الممكن أن نضطلع بدور إيجابي في العراق إذا كانت علاقتنا جيدة مع طرف وسيئة مع طرف آخر". والواقع أن علاقات النظام السوري مع الإستقلاليين الذين يمثلون الغالبية من اللبنانيين ليست جيدة في أقل تقدير.

لا مؤتمر حوار ولا "طائف2"

رابعاً – ليس ممكناً أو واقعياً عقد مؤتمر حوار أو مصالحة بين الأفرقاء اللبنانيين في رعاية عربية أو فرنسية أو دولية من أجل إحياء صيغة المشاركة الوطنية في الحكم المجمدة حالياً بسبب الصراع على المحكمة. كما انه ليس ممكناً التفكير في هذه المرحلة المضطربة في إعادة النظر في تركيبة النظام اللبناني واسسه والعمل على إيجاد "طائف 2" أي إتفاق جديد لتقاسم السلطة وصلاحيات الحكم ومسؤولياته بين الطوائف والأفرقاء في لبنان يكون مختلفاً جذرياً عن الإتفاق الذي تم التوصل اليه في الطائف عام 1989 وأدى الى تأمين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. ذلك ان المعركة الأساسية في لبنان اليوم هي معركة جنائية – سياسية ذات طابع مصيري وتتركز على سؤالين كبيرين: من هم المسؤولون عن إغتيال الحريري ورفاقه وشخصيات وطنية أخرى خلال مرحلة المواجهة بين الإستقلاليين والنظام السوري؟ وهل يجب محاسبة المتورطين في هذه الجرائم أمام محكمة مستقلة ذات طابع دولي تعمل بشفافية وفي رعاية مجلس الأمن الذي يمثل الشرعية الدولية، أم يجب التخلي عن العدالة والرضوخ لإرادة خصوم المحكمة من أجل كسب رضاهم مما يشكل حينذاك تهديداً للإستقرار ويضعف الدولة ومؤسساتها وسلطة القانون ويقلص القدرة على حماية إستقلال لبنان وسيادته ومصالح اللبنانيين الحيوية المشروعة؟ الحريري والإستقلاليون المدعومون من المجتمع الدولي ومن دول عربية وأجنبية بارزة حسموا أمرهم واختاروا العدالة.

خامساً – ان الإقتراح الذي قدمه مسؤولون سوريون وأطراف لبنانيون مرتبطون بدمشق الى المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والى جهات أخرى معنية بالأمر والقاضي بإيجاد "حل لبناني" للمشكلة الراهنة، هذا الاقتراح مرفوض لدى الدول المعنية بمصير لبنان لأنه غير ملائم وغير قابل للتنفيذ ويؤدي الى منع تحقيق العدالة. فهو يدعو الى وقف عمل المحكمة بقرار جديد صادر عن مجلس الأمن وإحالة ملفات جريمة إغتيال الحريري والجرائم الأخرى المرتبطة بها على لجنة تحقيق لبنانية كي يتولى القضاء اللبناني وحده النظر فيها. وكما قال لنا مسؤول أوروبي بارز: "إن طرح إقتراح "لبننة قضية الحريري" تأخر أكثر من خمس سنوات، إذ كان مفترضاً أن تهتم السلطات اللبنانية عقب إغتيال الحريري يوم 14 شباط 2005 جدياً بهذه الجريمة السياسية الكبرى وأن تجري تحقيقاً جنائياً وقضائياً رسمياً لمعرفة حقائقها ولمحاسبة المتورطين فيها. لكن السلطات اللبنانية لم تجر آنذاك تحقيقاً جدياً في هذه الجريمة بل ساهمت في تضليل التحقيق ولم تستجوب أي مسؤول أمني ومخابراتي ولم تعتقل مشبوهين يمكن أن يكونوا تورطوا في هذه الجريمة، بل انها حاولت إزالة معالم الجريمة وآثارها واعتقلت أشخاصاً تبين لاحقاً أن ليست لهم علاقة إطلاقاً بعملية الإغتيال، ثم تركت ملف هذه الجريمة في عهدة لجنة التحقيق الدولية التي بدأت عملها رسمياً في النصف الثاني من حزيران 2005 برئاسة القاضي ديتليف ميليس. والآن تطرح مسألة "لبننة" هذه القضية بعد خمس سنوات من التحقيقات الدولية الجدية وبعدما أصبحت المحكمة الخاصة تتولى وحدها وبقرار صادر عن مجلس الأمن إستناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مسؤولية النظر في هذه الجرائم. إن إقتراح "لبننة" هذه القضية غير واقعي وغير ملائم وغير مقبول لدى أي دولة أو جهة معنية بالأمر. والحل اللبناني الملائم يكون بتعامل جميع الأفرقاء مع أي قرار ظني يصدره بلمار بالوسائل القانونية والسلمية المشروعة عوض أن يلجا الفريق المتضرر من القرار الظني الى إستخدام القوة المسلحة غير المجدية لمنع تحقيق العدالة".

المطلوب مبادرة من الأسد

ضمن هذا السياق قال لنا مسؤول غربي بارز: "قام سعد الحريري في كانون الأول 2009 بمبادرة الإنفتاح الشجاعة على سوريا بإسمه وبإسم حكومته وبإسم الإستقلاليين متجاوزاً مرحلة المواجهة مع نظام الأسد ليس من أجل وضع لبنان مجدداً تحت الوصاية السورية وتنفيذ تعليمات دمشق بل من أجل تحسين العلاقات بين الدولتين المستقلتين اللبنانية والسورية وتعزيز الأمن والإستقرار وتركيز الجهود على معالجة مشاكل اللبنانيين الحيوية والكثيرة من غير أن يتخلى عن المحكمة وعن مطلب تحقيق العدالة. وتم هذا الإنفتاح اللبناني على نظام الأسد تحت مظلة التقارب السعودي – السوري. لكن المعركة ضد المحكمة التي تخوضها دمشق مع حلفائها والحملات البالغة القسوة على الحريري والإستقلاليين التي ترافقها أوقفت هذا الإنفتاح وجمّدت عملية تحسين العلاقات بين البلدين. وترى الدول البارزة المعنية بالأمر أن المطلوب من نظام الأسد أن يقوم بمبادرة ملائمة لإنقاذ عملية التقارب بين لبنان وسوريا تقضي بالتوقف عن مطالبة الحريري بالتخلي عن المحكمة وباتخاذ قرار حكومي ينزع الشرعية اللبنانية عنها تمهيداً لدعوة مجلس الأمن الى وقف عملها بقرار جديد يصدره. وتفيد المعلومات التي وصلت من دمشق الى باريس وواشنطن وعواصم أخرى ان الأسد لا يزال متمسكاً بكل تصميم بمطلبه هذا وان إشادته في المقابلة مع "الحياة" برئيس الحكومة اللبنانية ونفيه وجود مشكلة معه وقوله "ان سعد الحريري قادر على تجاوز الوضع الحالي والأزمة الراهنة وقادر على مساعدة لبنان وانه الآن الشخص المناسب جداً لهذه المرحلة الصعبة" – إن هذا الكلام يعني إن الرئيس السوري يرى أن الحريري هو الوحيد القادر على نزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة وان المطلوب منه تالياً القيام بهذه الخطوة كي يحظى بدعم دمشق له".

وأضاف المسؤول الغربي: ان الدول البارزة المعنية بالأمر تدعم موقف الحريري الرافض الرضوخ لمطالب دمشق وحلفائها وترى انه ليس مسؤولاً عن التوتر والإحتقان الشديد في الساحة اللبنانية أو عن أي تدهور في الأوضاع اللبنانية لأن تمسكه مع الغالبية من اللبنانيين بالمحكمة وبالعدالة حق مشروع، ولأن رئيس الحكومة بذل أقصى جهوده لتحسين العلاقات مع نظام الأسد وللتوصل مع "حزب الله" الى صيغة ملائمة تؤمن الإستقرار والعدالة معاً، لكن جهوده هذه إصطدمت برفض دمشق وحلفائها لها وبحملات قاسية عليه. الواقع أن مطالب المسؤولين السوريين وحلفائهم تعجيزية وتعكس قلقهم الكبير من مضمون القرار الظني ومن تداعياته ونتائجه، إذ انهم يطلبون من الحريري أن يضحي بكل شيء، بماضيه وحاضره ومستقبله وأن يخذل الغالبية من اللبنانيين وأن يرفض المحكمة التي تشكل الوسيلة الجدية الوحيدة لتحقيق العدالة وأن يرفض القرار الظني قبل صدوره وأن يدخل في مواجهة مع نفسه ومع حلفائه ومع قاعدته الشعبية ومع الغالبية الكبرى من اللبنانيين ومع مجلس الأمن والمجتمع الدولي، وذلك كله من أجل إرضاء دمشق وحلفائها. وسعد الحريري ليس هو الذي إرتكب الإغتيالات والجرائم المختلفة وهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية، لكن المطلوب منه أن يدفع هو الثمن وأن يتخلى عن حماية نفسه وحلفائه واللبنانيين عموماً وأن يعمل في الوقت عينه على تأمين الحماية لأشخاص قد يتهمهم القرار الظني بالتورط في جريمة إغتيال رفيق الحريري ورفاقه إستناداً الى أدلة وقرائن صلبة وقوية وقاطعة. وهذا أمر مستحيل".

وخلص هذا المسؤول الى "إن الدول البارزة المعنية بالأمر ترى أن حماية الأمن والإستقرار في لبنان ومسار العلاقات اللبنانية – السورية تتطلب مبادرة "واقعية وحكيمة" من الأسد تتركز على تقبل المحكمة كأمر واقع شرعي والتعامل مع القرار الظني المرتقب بالوسائل القانونية الملائمة والرد على أي إتهامات توجه الى عناصر لبنانية أو عربية بواسطة محامي الدفاع وليس بواسطة العمل المسلح ومحاولة تفجير الأوضاع – وإذا لم ينقذ لبنان من هذه المشكلة الكبرى وإصلاح العلاقات اللبنانية – السورية فإن الحريري وحلفاءه لن يكونوا المسؤولين عن تدهور الأوضاع وتوتر العلاقات بين بيروت ودمشق".

المصدر:
النهار

خبر عاجل