#adsense

بين السفاهة والمعالي

حجم الخط

إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه
وإن خليته كمداً يموت"
الشافعي
 
في كثير من المجتمعات قد يأنف الوجهاء، وهم على خصومة مع آخرين، من البوح بخصومتهم أو التعبير عنها بكلام خارج آداب المخاطبة واللياقة الاجتماعية، أو لربما لعدم قطع شعرة التواصل مع الآخر. لذلك فإن بعض هؤلاء قد يلجأون الى السفهاء المعروفين ليتولوا عنهم وظيفة الشتم والسباب وتوجيه الكلام النابي. ويكون عادة هؤلاء السفهاء من حثالة المجتمع الذين لا شيء لديهم ليخسروه، أو لا ماء وجه لديهم ليفقدوه، أو قد يكونون يدينون بكل وجودهم للجهة التي وكلتهم بالسباب مما يجعلهم لا يأبهون بعواقب أقوالهم.

ولطالما نحن في أحيائنا نتواجه مع بعض هؤلاء السفهاء، وكان النصر دائماً من نصيبهم لعدم معرفتنا، نحن طلاب المدارس، بمعجم الكلمات التي يستعملونها بشكل شديد السهولة. وقد يقومون بعض الأحيان برمي الحجارة أو ضرب الشفرات، أما أنا فقد كنت أكتفي بالتراجع الى البيت متجاوباً مع نداء عمتي قائلة "السفيه اكتفيه وقليل الأصل ما لك فيه؟!". لم أعد أذكر من هؤلاء السفهاء اليوم حتى أسماءهم وأظن أن بعضهم قد دخل السجن أو سقط أثناء الحرب الأهلية في خلاف على سرقة متجر ما، أو ما زال حتى الآن يمارس سفاهته لحساب وجهاء جدد، فالقاعدة هي أنه من شب سفيهاً يشيب سفيهاً.

لا يمكن أبداً تحديد مصير السفهاء جميعهم بما يماثل من ذكرناهم آنفاً، فبعض هؤلاء قد يكون عندهم من الذكاء الكافي لكي يتمكنوا من تسيير أمورهم والوصول الى أعلى درجات العلم وفي بعض الأحيان الى مراكز عالية في السلطة والمال، ولكن، وفي كل الحالات يبقى السفيه على طبعه مهما كان الدهر عليه كريماً، ويبقى حاملاً نفس الشعور الدوني والحقد على من هم أفضل منه. ولو عددنا هؤلاء في لبنان فنرى بوضوح أن بعضهم حمل ألقاب المعالي والسعادة وإن لم تدم عليهم النعمة طويلاً، ولكن ما زالوا حتى اليوم يستغلون هذه الصفة للإطلال على الإعلام ورمي ظلهم الثقيل وكلماتهم الممجوجة على أسماع وأبصار المواطنين لدرجة أصبحوا فيه جزءاً من الكاريكاتير اليومي في الإعلام.

وفي هذا السياق، فإنه من الواضح أن ما حصل في سياق الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء والحائط المسدود الذي وصل إليه حتى الآن فريق 8 آذار في قضية ما يسمى شهود الزور، هو الذي دفع الوزير شربل نحاس الى التفوه بما قاله خلال الجلسة، وهو كلام غير مألوف في وسائل التخاطب مع رئيس الحكومة وهو بالتأكيد كلام أوكل به الوزير المذكور بالنيابة عمن ضاق صدرهم بصلابة موقف الرئيس سعد الحريري في التزامه بالمحكمة الدولية وعدم رضوخه للضغوطات والتهديدات التي يطلقها فريق 8 آذار. لذلك، وأمام هذا الواقع، وفي ظل موقف رئيس الجمهورية، وربما الضوابط الإقليمية، لم يجد الوزير إلا اطلاق التهم التقليدية التي يستعملها أصحاب اللغة الخشبية بالاتهام بالتعاون أو العمالة أو التقاطع مع العدو. وهذه هي التهم نفسها استعملتها أنظمة المنطقة لقتل أو سجن مئات الآلاف من المعارضين وطلاب الحرية في بلادنا.

لست أدري إذا كان الوزير العظيم يدفع بكلماته ومناكفاته ونكده ثمن الموقع الذي وصل إليه وما كان ليحلم به في السياسة لولا قدرته على استخدام الكلمات المأخوذة من معجم الكلمات النابية. ولست أدري إن كان ما فعله قد أتى بطلب معين من مرجعيته الحالية، أم أنه أتى بمبادرة فردية من قبله ليستحصل على نظرات الاستحسان أو على نقاط ايجابية يضيفها من أتى به على سجله، ولكنه دليل جديد على أن بعض من تحدثنا عنهم في أول المقال قد يتسلل بمختلف الوسائل الى مواقع المعالي أو السعادة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل