#adsense

ثرثرة عقيمة على ضفاف فتنة مستعصية

حجم الخط

الفتنة بمعنى أن تقوم اشتباكات بين فريقين، حاليا متعذرة الحصول في لبنان كونها لم تستوف الشروط المطلوبة. ولا يمكنها أن تكون سوى نسخة جديدة لـ7 أيار.ما حدث في 7 أيار بامكانه أن يتجدد، ولكن لا يمكن تسميته في حال حصوله، إلا كما سميت أحداث 7 أيار حينها، أي اعتداء مسلح بهدف التنكيل بأسس العيش المشترك ليس أكثر ولا أقل. إن اللجوء إلى استعمال القوة من أجل الضغط على الشريك الآخر في الوطن لحثه عنوة وغصباً عنه لتغيير رأيه وموقفه، لهو تصرف يطيح كل قواعد وأسس العيش المشترك، ويتحول إلى ممارسة فوقية، تتوسل الاملاء كطريقة في التعاطي مع الآخر، ولغة الأمر والتهويل لتدجين الشريك في الوطن. التهديد يالثبور وبسيناريوات الفتن، تصرف ميليشيوي يعيدنا إلى أيام كانت تسيطر في الشارع وعلى مستوى القيادة لغة الرشاش والمدفع.

"لا عودة لعقارب الساعة إلى الوراء". كلام الرئيس الحريري هذا يعتبر تجديداً بل تذكيراً بالعهد الذي قطعه اللبنانيون على ذاتهم والتزموا به فيما بينهم. أما وقد قررت بجزم وبشكل نهائي شريحة واسعة بل غالبية اللبنانيين بعد سكوت المدافع، وبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، قررت وبشكل عقد جماعي اسمه الطائف، بأن هذا التقاتل الأخوي هو مدان إلى الأبد، وبأن هذا التاريخ طوي إلى غير رجعة، وبأنه ما من سبيل لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فأن تقرر فئة من اللبنانيين العودة إلى هذه الأجواء البائدة،هذا أمر يعنيها، ويعنيها فقط.لن تحمل الفئة الأخرى السلاح بوجهها. بمعنى أن خيار العودة لهذه الممارسات الشاذة والمنحرفة سوف يعني فئة دون سواها من اللبنانيين. وعندها لا يمكن تسمية ما سوف يحصل بالفتنة ولكن فقط بالاعتداء المدبر والمنظم. والاعتداء من دون أن يكون هناك أحد في المقلب الآخر مستعداً لرد الهجوم، لأن رد الهجوم سوف يجر إلى عواقب جديدة ومطبات ومنزلقات لا تقدر عواقبها يرفض الفريق الآخر الانزلاق باتجاهها. حتى لو تحمل وزر تسمية التخاذل أو التراجع أو الانكفاء،أو رفض الدفاع عن النفس.

مع العلم أن الدفاع عن النفس هو حق. وأمر مشروع وضروري وواجب حتى لو جاءت النار من قبل الأخ في داخل البيت. وهو تصرف يحلله الله وكل التعاليم البشرية والدنيوية، ولكن بشرط أن يحصل نتيجة غياب الضابط الأكبر، والمنظم الأول والأخير والمسؤول عن الأمن والاستقرار في داخل الديار. عندما يستقيل هذا الرادع ويعلن افلاسه يصبح كل تصرف دفاعي مشروعاً. ولكن إلى أن تستقيل القوى النظامية، يظل الالتزام بالقوانين والدستور هو أمر ضروري وواجب من باب المحافظة على استمرارية العيش المشترك، وحتى لا ينزلق الجميع إلى حروب أهلية طاحنة، ومدمرة في الحجر والبشر، والتي ما زالت ذكرياتها الأليمة والكثير من أوجاعها تقض مضاجع اللبنانيين وتشكل رادعاً مهما لأية انزلاقات مستقبلية. لقد فهم اللبنانيون الدرس وأدركوا أن رد النار السريع باتجاه الشريك في الوطن لا يشكل دفاعا عن النفس بقدر ما هو يمهد لجولة جديدة من التقاتل، تسمى عادة بالحرب الأهلية. ومن الخبث بمكان اعتماد تسميتها بالفتنة. الفتنة هي نزاع حول موضوع محدود الأطر، من الممكن ضبط تمدده، وإطفاء تداعياته عند اللزوم. ولكن الوضع فيما خص التهديدات والسيناريوات الدارجة والمتداولة حالياً في لبنان لا يمكن تسميته بالفتنة على الإطلاق. المطلوب الخروج من المراوغة والديماغوجية ومن الاعيب التسميات الخبيثة. ما يطرح من فصول لهذه السيناريوات ليس سوى سيناريوات لحرب أهلية.

هذا مع العلم بأن البادئ بالاعتداء هو الأظلم، والطارح لسيناريوات التهويل والتخويف سوف يدفع ثمنها أولاً. حيث إن صورته سوف تنهار أكثر وأكثر،إن على الصعيد الشعبي الداخلي، وإن على الصعيد العربي أو العالمي،إذ سوف يساهم تصرفه هذا في تسهيل وتبرير تصنيفه على صعيد المؤسسات الدولية، تحت عنوان التكتلات والتنظيمات الارهابية،أو في أحسن الأحوال في خانة الفئات المنحرفة أو الخارجة عن القانون.

القوة المفرطة تنقلب على اصحابها عندما تستعمل مع الأقارب والأخوة بعكس القوة التي من الضروري تركيزها باتجاه العدو الرابض على مداخل البيت المشترك. القوة وفوهات الرشاشات والمدافع عندما تدار باتجاه الداخل سوف يصفق لها العدو ويفرح كثيرا. فهل ندرك أي خدمة يمكن أن نقدمها له عن طريق إضرام النار داخل البيت؟ هل ندرك أي انتصار سوف يحققه دون الحاجة لأي طلقة رصاص؟. هل ندرك هذا؟ إن كنا ندركه ونستمر في تقديم هذه الخدمة المجانية لهذا العدو المشترك عن طريق السعي نحو التقاتل، فربما وجب تسمية هذا التصرف بتسمية أخرى. وإن كنا لا ندري ولا نرعوي في خطابنا السياسي المتهور، فتلك مصيبة أعظم، كون العقول الصغيرة عندما تشحنها وتحثها وتدفعها باتجاه الشارع، قد لا يمكنك السيطرة عليها بعدها، أو ضبطها إن أنت أردت في المستقبل، حيث من الوارد كما حدث في الحروب الماضية، من الوارد أن ترتهن بسهولة لغيرك، ولأطراف خارجية تشتريها وتدفع لها أكثر منك، لغاية ربما تجهلها اليوم في حماوة القتال، ولكنها تكون بالفعل في صدد خدمة مشروع أو طموح خارجي مشبوه يرتد سلباً في المستقبل على الجميع. وهل هذا بالأمر الجديد؟… لبنان الساحة؟ وهل نسينا؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل