#adsense

يا ليت السيّد كان اكثر دقة

حجم الخط

… قد يكون من الضرورات القصوى أن يدرك كل إنسان أن في هذا العصر لا وجود للمعصومين، ولا كمال إلا لله سبحانه وتعالى وهو العلي القدير، وكل إنسان معرّض للوقوع في لحظة غفلة في ارتكاب الاخطاء، وأحياناً الوقوع في الخطيئة.

.. في هذا المعنى، سمعنا بالامس خطاب السيّد حسن نصرالله في يوم شهيد المقاومة، واستوقفنا بعض ما جاء في الكلمة، ولعلّ أبرز ما يزعج أن الامين العام لـ"حزب الله" قد استند الى وثيقة أعطيت له من الارشيف من دون التدقيق فيها، ما أثار جدلاً واسعاً، وكنا نتمنى لو أن السيّد حسن دقق في هذه الوثيقة قبل إبرازها وقراءتها، وهي تتعلق بوزير الخارجية الاميركي الاسبق هنري كيسنجر، الذي كان يصفه رئيس الجمهورية الراحل المرحوم سليمان فرنجية بالسيئ الذكر.

الوثيقة هي من خيال أحد الصحافيين اللبنانيين كتبها في السبعينيات، وافترض فيها أن كيسنجر كان سيكتبها كرد على رسالة من العميد ريمون إدّه رحمه الله، ينتقد فيها السياسة الاميركية، ولكن المفاجأة أن السيّد حسن نصرالله قرأ الوثيقة معتبراً أن كيسنجر كتبها، وهذا أمر أثار الدهشة، خصوصاً أن شخصية كبرى كالامين العام لـ"حزب الله" لا يجوز أن يقع في مثل هذا الخطأ، والواجب مساءلة ومحاسبة من زوّده بها.

أما ثاني الملاحظات، فهو أن السيّد حسن نصرالله أصرّ وبشكل حازم على انه ليس من أحد في "حزب الله" أو من المقربين منه متورط بعملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهذا أمر نتمناه نحن وبقوة، ولكن، لو أخذنا مثلاً الانبياء والرسل فهناك من خانهم وما من أحد معصوم على الاطلاق.

لقد كان من المفترض، أقله، أن يتم الاعتبار من موقف سورية، إذ أن الرئيس بشار الاسد قال "إذا ثبت أن أحد السوريين متورط باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فستتم محاكمته لينال العقاب الذي يستحقه"، فلماذا إذاً يذهب السيّد حسن نصرالله الى حد تحدّي الشرعية الدولية، ويضع لبنان في مواجهة العالم؟

ولو افترضنا جدلاً أن القرار الاتهامي سيتهم عناصر من "حزب الله" فليس في هذا نهاية العالم، خصوصاً أن القرار هو اتهامي، وبعدها سيحاكم المتهمون أمام المحاكمة، وهناك هيئة دفاع ومدّع عام، وكل سيقدم قرائنه وأدلته، وبعد المطالعات وتقديم شهود الاثبات والنفي ستصدر المحكمة حكمها.

نحن، كما غيرنا، لا نعرف ما مضمون القرار الاتهامي وما هي حيثياته، ولا أحد يعرف من سيكون المتهم في هذا القرار، وكنا نتمنى على سماحة السيّد لو انتظر قليلاً حتى يصدر هذا القرار ليبنى على الشيء مقتضاه، بدلاً من توتير البلاد وشحن النفوس من دون مراعاة الاوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، والتي تؤدي الى تداعيات كبرى على الصعد كافة، لقد كنا ننتظر من سماحته أن يكون أكثر هدوءاً، خصوصاً أننا مقبلون على موسم أعياد، ويأتينا الزوّار العرب ليمضوا إجازاتهم فتنشط الحركة الاقتصادية، ولكن الكلام الذي صدر عن السيّد حسن نصرالله قد يفشل هذا الموسم، لتزداد التعقيدات الاقتصادية، وتتضاعف.

إن كل ما تقدم وما أثير حول القرار الظني لا يعني إدانة المتهمين ولا براءتهم، فلماذا يستبق سماحة السيّد حكم المحكمة، ويعلن أنه لن يقبل بأي قرار تصدره، متحدياً المجتمع الدولي؟

لقد أدركت سورية أن تحدّي المحكمة لن يقابل إلا بالسلبيات، فأعلن رئيسها وبالفم الملآن أنه سيحاكم أي سوري ثبت تورطه، وكان على "حزب الله" أن يعلن موقفاً مشابهاً من دون استعمال عبارات تسيء الى المقاومة، ونحن أشد حرصاً عليها، وفي ما خص المجتمع الدولي، هل سيقبل بإعلان سماحة السيّد أنه سيقطع اليد التي تمتد الى أحد عناصر "حزب الله" أو أحد المقرّبين إليه إذا ما تم طلبه للمثول أمام المحكمة؟

… إن الواجب يتطلب الكثير من الهدوء والموضوعية، وإذا كان السيّد حسن نصرالله حريصاً على الاستقرار في البلاد فنتمنى لو أن خطابه السياسي يتجه نحو التهدئة والتعامل مع الاستحقاقات بكثير من الدقة والواقعية والموضوعية.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل