المنطق كلمة اشتقت من فعل "نطق" أي تكلَم، ثم توسَعت لتتعاطى مع ما وراء الكلام من عملية عقلية. وقد عرَف القدماء المنطق بأنَه آلة تعصم الذهن عن الخطأ، أي وسيلة معيارية مأمونة تستند الى قواعد للوصول الى التفكير السليم. ولمَا كان الأنسان معرَضا للخطأ والصواب، يمكن أن يهتدي في تفكيره الى نتائج صحيحة، كما يمكن أن ينتهي الى نتائج خاطئة، كان لا بدَ من أن يحتاج الى أصول وقوانين تهيئ له التفكير الصحيح.
بدأنا الكلام على مفهوم المنطق، لأن المتعاطين في الشأن السياسي عندنا يسترسلون في وضع تحديدات لا تشبه البتَة التعريف العقلي للمنطق، لا بل تشوَهه، ويستخدمون ما يمسخونه ميزانا يقيسون على أساسه ما هو صحيح وما يحيد عن محجَة الصواب. وبالتالي يجتمع لنا تحديدات على قدر ما لدينا من "فلاسفة"، أين منهم أرسطو أبو المنطق وما تلاه من معلَمي الفكر على مدى الأزمنة. والغريب أنَ اجادة هؤلاء غير المسبوقة في رصف الكلام، من دون أن يتمَ تنبيههم الى ما يأتون من زوغان بعيد عن حقيقة المنطق كعلم، جعلهم يصدَقون ما يقولون، ويسعون الى دفع الناس الى الأقرار بصوابية كلامهم.
أما اللافت في هذا المجال، فهو التناقض الفاضح بين التنظير والتطبيق. وكأنَ المتحدَث في غربة عن عمل المنطق الذي ينظَم تصرَفات القوة العقلية خوفا من تأثير الوهم والخيال عليها. كأن يتحفنا بعضهم بالقول انَه الوحيد المتعفَف في كلامه، ويستخدم في سياق الحديث نفسه عبارات "يهوشون" و "يعضَون" وسواها من العيار ذاته، وكأنَه يتحدَث عن نوع معيَن من الحيوان وليس عن كائنات بشريَة تماثله… أو يدعو الى ترسيخ الحق في الأختلاف وقبول الآخر، ويعمل في آن معا على حضَ طرف مسلَح على الأنقضاض على من يخالفه في توجَهه السياسي… أو يسترسل في التنويه بحرية التفكير والتعبير، ويقمع كلَ كلام لا يبارك أقواله، أكان هذا الكلام صادرا عن أقربين في جماعته أو أبعدين من الخصوم.
ان القيمة العملية للمنطق هي في تربية ملكة التفكير الصحيح، بعيدا عن الهلوسات العقيمة. من هنا، يبدو الكثيرون في عزلة عقلية، يعانون من انهيار على مستوى التوازن الفكري، أي أنَ الثبات في الفكر لديهم معدوم. وبالتالي، هم طليعيَون على مستوى السخف والعقم، بحيث أضحى المنطق معهم جثَة وباتت المعقولية في أقوالهم تكابد هزيمة نكراء.
والجدير بالاشارة أيضا، ألصاق التهم بالغير. والحقيقة أنَ بعضهم يحدَد نقائصه بالذات ويسبغها على سواه، متهما الآخر بها. فالجميع، بنظره، فاسدون مفسدون مضللَون، وهو الوحيد الذي لم يصبه هذا الوباء الخبيث. فكأنَه نسيج وحده على مستوى النزاهة والترفَع عن الموبقات التي يصرَ على أنَ غيره يأتيها. وهو المحصَن من دون سواه عن الزلل والخطأ والرذائل. وهذا ادَعاء فارغ لطوباوية تثبت بطلانها مسلكيته منذ أن تبوَأ السلطة وحتى اليوم.
والأدلَة كثيرة في هذا الصدد، ليس أقلَها تلوَث اليد بالدم البريء وبمال الناس وبعمالة متعددة الوجوه، وبتغليب المصلحة الشخصية على ديمومة الوطن وسيادة الكيان، وبالسكيزوفرينية التي أنتجت حروبا عبثية، وباسفاف لا يدلَ الاَ على فراغ الشخص من أي قيمة.
انَ الكابوس الذي يتحكَم بشعبنا، هو الأنحطاط الفكري الذي يتصف به بعض من جعلوا ذواتهم مرجعيَات أساسية تتحكَم بمصيرنا. وعلينا أن نحيلهم الى علم نفس الذكاء الذي يقيس العمليات الذهنية، فتشير النتيجة الى عطل في مركز التفكير الدماغي، أعراضه التشنَج والتخبَط والأستفزاز والضغط والهذيان، ويكون الشفاء بترحيل هؤلاء الى جمهورية الموز.