أياً كانت "التبريرات"، أو محاولات اللعب على الألفاظ، التي ساقها وزير الاتصالات شربل نحاس في ما يتعلق بكلامه في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء عما وصفه بـ"الضغوط الخارجية على الحكومة ورئيسها سعد الحريري"، فالثابت أن وراء ما قاله واحداً من اثنين لا غير: إما اللغو غير الواعي بما يردده رئيسه العماد ميشال عون وبعض رموز 8 آذار في ما بينهم، أو التعبير الواعي بشكل كامل، وعن سابق تصور وتصميم، عن قرار هؤلاء عمل "المستحيل" لإحراج رئيس الحكومة من أجل اخراجه ودفعه الى الاستقالة. وفي الحالين، فإن نحاس كان في موقع من يتسول الحجر الذي ألقي اليه.
ذلك أن ما شهدته جلسة مجلس الوزراء هذه، وهي التي تعقد بعد عام على تشكيل الحكومة، يستدعي عدداً من الملاحظات على الشكل التالي:
أولاً: إن الوزير في الحكومة الذي يظن، مجرد الظن، أن رئيس حكومته يتعرض (فضلاً عن أن يذعن؟!) لـ"ضغوط من الخارج… ومن إسرائيل تحديداً"، كان يُفترض به أن يكشف عن ظنونه هذه في كتاب استقالة معلل من عضويته في الحكومة، وليس عبر كلام "بريء" في جلسة رسمية لمجلس الوزراء. إلا إذا كان هذا الوزير يرى الإذعان لضغوط إسرائيل من الأمور الطبيعية التي لا تستدعي إلا الحديث عنها في جلسة مغلقة لمجلس الوزراء!
ثانياً: إن الحد الأدنى من اللياقة في التعبير، فضلاً عن اللياقة في التفكير، غاب نهائياً عن طرح هذا الوزير لموقفه من مسألة ما يسمى "شهود الزور"، واعتباره أن عدم بت الموضوع في مجلس الوزراء يرجع الى خضوع الحكومة لمثل "الضغوط الخارجية" التي تحدث عنها، آخذاً في طريقه مواقف كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والوزراء المحسوبين عليه ووزراء "اللقاء الديموقراطي" الذين يتمسكون بالتوافق داخل المجلس ويرفضون ايصال الأمور الى ما يسمونه "أبغض الحلال" في عمل مجلس الوزراء: التصويت على هذه النقطة تحديداً على خلفية الخلاف الكبير المحتدم حولها.
ثالثاً: إن رئيس هذا الوزير، العماد عون، لم ينتظر انتهاء جلسة مجلس الوزراء هذه حتى سارع الى القول في مقابلة تلفزيونية مقررة سابقاً إن الحكومة باتت في حكم "الساقطة" وإن على رئيسها أن يبادر الى تقديم استقالته فوراً ومن دون إبطاء. وللعماد عون، كما هو معلوم للقاصي والداني، وزيران في الحكومة، فضلاً عن الوزراء الحلفاء من قوى 8 آذار، الذين كان يمكنه أن يقرر"استقالتهم"، أو حتى إقالتهم، ما دام يعتقد أن الحكومة كلها "ساقطة". لكنه لم يفعل لسبب بسيط جداً، هو أنه يستهدف الرئيس سعد الحريري شخصياً… وربما كذلك الرئيس ميشال سليمان بشخصه وموقعه.
أياً يكن، فما حدث في جلسة مجلس الوزراء اللبناني يوم الأربعاء في 11 تشرين الثاني من العام 2010 لم يحدث مثله في تاريخ لبنان، وربما في العالم المتمدن كله، وإن تكن أسبابه لم تعد تخفى على أحد من اللبنانيين، ولا ربما من المراقبين العرب والأجانب. فقد انحدرت لغة الخطاب السياسي، من على الشاشات وفي الإعلام وحتى في المقالات الصحافية، الى قعر لم يكن يخطر في بال أنها يمكن أن تصل اليه، الى درجة أن الشتيمة بأقذع الكلمات تحولت الى ما يشبه وجبة يومية لأصحابها (أحذية، صرامي، واوية، وأنياع) تماماً كما هو التهديد بأحط الألفاظ (دعوسة بالأرجل، قتلة على الماشي، ولا وقت لضب الشنط)، فضلاً عما بات لازمة من موسوعة الاتهامات بالعمالة والخيانة والتآمر والعمل في خدمة الأجنبي إلخ…
هل غريب أن تؤدي هذه اللغة الى الإفساح في المجال لكل ما هو غريب عن الحياة السياسية والعامة في لبنان، بما فيه ما شهدته جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء الماضي؟. بل هل غريب توقع أن تنحدر الأمور في يوم ما الى قعر أدنى من ذلك بكثير، ليس في لغة الخطاب السياسي فقط وإنما في طبيعة الممارسة على الأرض أيضاً؟
ليس صعباً العثور على جواب، إلا أن الحقيقة المرة أبعد وأسوأ من ذلك في كل حال.
الحقيقة المرة هي أنه يُراد بهذا الأسلوب (مدعوماً طبعاً بالقوة المسلحة على الأرض) تحقيق "إنجازات" و"إصلاحات"، وحتى "انقلابات"، في النظام السياسي للبلاد، وصولاً الى إحداث ما يصفونه بـ"التغيير الجذري" في العالم العربي وفي المنطقة كلها.
ويراد، أكثر من ذلك، اقناع الشعب اللبناني بأن التغيير يتم بهذه الطريقة أو لا تغيير في البلد على الإطلاق.
وللأسف الشديد، فما طلع به الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله على اللبنانيين، بعد أربع وعشرين ساعة فقط على جلسة مجلس الوزراء هذه، لم يبتعد في قليل أو كثير عن الأسلوب اياه: استعادة خطاب التخوين الذي ظن البعض أنه انتهى الى غير رجعة من جهة، والتهديد بقطع الأيدي والأعناق من جهة ثانية.
ما يبقى أنه يمكن، لمناسبة عيدي الأضحى المبارك والاستقلال، المجازفة بتوجيه التهنئة الى اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية بالعيدين، لكن ليس أكثر من ذلك. فما يشهده لبنان في هذه المرحلة من تاريخه ليس مما ينبئ بأفضل مما تحتويه العبارة التقليدية التي يتبادلها أهله بالمناسبة: كل عام وأنتم بخير.. وربما بتحديد أكثر: كل يوم وأنتم بخير!.
وقد تؤدي المظلة السعودية ـ السورية، كما يقال، الى تهدئة موقتة أو حتى الى هدنة طويلة نسبياً، لكن الخشية هي ألا يغير ذلك في الأمر شيئاً.