بادىء ذي بدء وكلمة حق تقال ان الرئيس ميشال سليمان ساهم عبر جهود صامتة ومركزة ومضنية في ابعاد شبح الانقسام والانهيار عن الحكومة وجعلها في منأى عن الصراع السياسي الحاد الذي يهزها ولا يسقطها وكذلك كان للنائب وليد جنبلاط مشكوراً ايضاً اليد الطولى في نزع فتيل الانقسام ومشاركة رئيس الدولة في ايجاد المخارج اللازمة لهذه الازمة الخطيرة والمستعصية.
ان اللبنانيين يشكرون كل من يعمل من السياسيين على التوفيق بين المتخاصمين و يقدرون جهود رئيس الجمهورية وطريقة ادارته للأزمة التي تطرق باب مجلس الوزراء من دون ان تدخله لتعبث فيه انقساماً . ان الرئيس يقوم بدوره كرئيس توافقي على مسافة واحدة من الجميع ، لا ينحاز لفريق ضد آخر ولا يقبل بغلبة فريق على آخر ، ويحفظ التوازنات السياسية والطائفية ويراعي الخصوصيات والاعتبارات من ضمن المعادلة الوطنية الجامعة .
قبل أشهر كانت النظرة إلى الرئيس التوافقي انه رئيس ضعيف وانه الحلقة الاضعف في الحكم والدولة. وفي ضوء تعاطي الرئيس سليمان مع أزمة المحكمة الدولية ومتفرعاتها و من خلال ادارته للملفات الخلافية الحادة ، تغيرت النظرة إلى الرئيس التوافقي وبات ينظر اليه على انه رئيس حكيم والحلقة الامتن في الحكم والدولة وصمام الأمان للوحدة الوطنية والعيش المشترك. وعندما نجح الرئيس سليمان مؤخراً في إبعاد الكأس المرة عن جلسة مجلس الوزراء بإصراره على أولوية التوافق وعدم اللجوء إلى خيار التصويت، كان يكتب للحكومة عمراً جديداً وينقذ البلاد من شر مستطير ويحول دون انزلاق الوضع من جديد إلى تجارب ومشاهد السنوات الماضية التي كانت تبدأ بالفراغ والفوضى وتنتهي إلى التسوية المكلفة…
بعد هذه المقدمة التي كان لا بد منها انطلاقاً من مبدأ ما لقيصر لقيصر وما لله لله . نعود إلى الحقيقة المرة ووجع الناس لنقول بأن الذكرى السنوية الاولى لقيام حكومة " الوحدة الوطنية " أو بالاحرى حكومة الخلافات الوطنية مرت مرور الكرام من دون احتفال ولا احتفاء . وبقدر ما كانت الآمال المعلقة على هذه الحكومة كبيرة وعريضة جاءت الخيبة ومشاعر الاحباط حيالها أكبر وأعرض . فبعد مرور سنة لم تحقق هذه الحكومة انجازات تذكر ، ولم تتمكن من الإيفاء بتعهداتها ووعودها وبالبرامج والخطط التي وضعتها .
واذا كانت الظروف والاوضاع عاكست الحكومة وقيّدت حركتها وحملتها على خفض سقف طموحاتها ، فإن ذلك لا يعذرها ولا يبرر لها التقصير والتباطؤ في الاداء والانتاجية . وإذا كانت الاعتبارات السياسية حالت دون قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات الكبيرة والبت بالمسائل الشائكة والمعقدة ، فإن لا شيء يبرر لها هذا التراخي والاخفاق في ادارة الامور البسيطة التي لها علاقة مباشرة بيوميات الناس واحوالهم الحياتية والمعيشية والتي لا تنتظر محكمة دولية ولا شهود زور ولا يبرر الاهمال فيها اي ظرف أو اعتبار سياسي داخلياً كان أم خارجياً…
يبدو ان السياسيين والمسؤولين في الدولة ليسوا في صورة الناس والشكوى المتعاظمة لديهم ازاء تردي الاوضاع والمرافق الخدماتية والمعيشية ، وحال الاحباط والقرف عند المواطنين وصلت بهم إلى حد انهم فقدوا ثقتهم بمعظم القيادات السياسية واصبحوا لا مبالين إلا بمصير عائلاتهم وأولادهم ولقمة عيشهم ولم تعد تهمهم التطورات والملفات الخلافية المطروحة والتي أصبحت كقصة أبريق الزيت . فهذه الحال ليست ناجمة فقط عن واقع التوتر والاضطراب الذي يفرض عليهم من جراء تصاعد الحرب النفسية والاعلامية المتبادلة بين الافرقاء المتخاصمين ، وانما ناجمة خصوصاً عن تراجع كبير في مستوى الخدمات والانتاجية والاداء عند مؤسسات الدولة وفي سياساتها.
فالمواطنون لا يفهمون مثلاً كيف تظل مراكز أساسية في الدولة شاغرة ولا يتم ملء الشواغر واجراء التعيينات اللازمة لتسيير شؤون الدولة وتسهيل أمور المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة.
اللبنانيون يتذمرون من ارتفاع غير منطقي في أسعار البنزين يمرر تدريجياً وخلسة، فإذا ارتفع سعر برميل النفط ارتفع سعر صفيحة البنزين بسرعة "الصاروخ" ، وإذا انخفض سعر البرميل ينخفض سعر الصفيحة بسرعة "السلحفاة " ، هذا اذا انخفض . لقد بات سعر البنزين في لبنان هو الاغلى بين كل البلدان المجاورة وبلدان المنطقة ، وهذا يفرض إعادة نظر بالضرائب المفروضة عليه وبطريقة التسعير وآليته وهم يسألون أين هو الاتحاد العمالي العام من كل ما يجري .
الشعب اللبناني يدفع مرتين ثمن خدمات الكهرباء والماء والهاتف ، مرة إلى الدولة ومرة إلى الشركات الخاصة و" مافيات " المولدات والصهاريج الذين اصبحوا ومع الأسف حاكيمن بأمر الله و أقوى من الدولة. وينتظرون بفارغ الصبر الوقت الذي طال ويبدو أنه سيتأخر كثيراً، حيث يتحسن مستوى هذه الخدمات وتصبح متوافرة ومؤمنة من خلال الدولة دون سواها.
اللبنانينون يشجعون كل مبادرة واجراء لمعالجة حوادث السير والحد منها وما يقوم به وزير الداخلية زياد بارود من جهود في هذا الاتجاه هو عمل مشكور ومقدر من كل اللبنانيين ، ولكن المعالجة لا تكون فقط بتحرير المخالفات والغرامات ووضع الرادارات وانما بتأمين الخدمات وتوفير بنية تحتية مساعدة ، من تحسين الطرقات واعادة تأهيلها ووضع شارات السير وانارة أعمدة الكهرباء وبناء جسور للمشاة الخ …
يسأل المواطنون بإلحاج عن الاسباب التي تحول دون تطوير الضمان الاجتماعي وتأمين الاستشفاء لكل من يحتاجه دونما التفات إلى مستوى اجتماعي وتمييز بين غني وفقير. ان موضوع الصحة والاستشفاء هو الهاجس الذي يلازم أكثرية اللبنانيين، ليس فقط لارتباطه بأمنهم الصحي والنفسي ، وانما ايضاً بكرامتهم الانسانية التي لا يشعرون انها محترمة ومصانة في بلدهم …
يسأل المهجرون عن الاسباب التي تمنع هذه الحكومة ومنعت الحكومات السابقة من اقفال ملف المهجرين وتأمين عودتهم الكاملة والكريمة إلى قراهم وارضهم … ولم يتغير شيء منذ اتفاق الطائف وما زالوا يسمعون الكثير من الوعود فيما يستمر الواقع على حاله ويستمرون في المطالبة بصرف الاموال في وجهتها الصحيحة وبإقامة المشاريع والمرافق الخدماتية والبنى التحتية…
يستغرب المسيحيون الاختلاف في المعاملة واستمرار سياسة الصيف والشتاء على سطح واحد والكيل بمكيالين وبنت الست وبنت الجارية، وان تكون مناطق وفئات محظية بتلقي المساعدات على افضل ما يكون وباسرع ما يمكن ، فيما مناطق وفئات أخرى تعاني الاهمال والتهميش .
ويسالون مثلاً لماذا تعويض الوحدة السكنية لمن فقد بيته في حرب تموز يصل إلى ثمانون الف دولار ، فيما تعويض الوحدة السكنية لمن فقد منزله في الجبل بفعل حرب التهجير لم يصل إلى أكثر من ثلاثون الف دولار؟! ولماذا اذا وقعت أحداث في برج ابي حيدر تحركت فوراً لجان مسح الاضرار وصرفت التعويضات ، فيما اذا احترقت أبنية سكنية في عين الرمانة كما حصل مؤخراً لا تتحرك الهيئة العليا للاغاثة ولا نرى سوى تحرك خجول لوزير البيئة مشكوراً ولا يلتفت أحد إلى هؤلاء المواطنين المساكين؟!
ويسألون أكثر من ذلك عن الاسباب التي أدت إلى هذا الخلل البنيوي في ادارات الدولة ومؤسساتها، وعن الاسباب التي تمنع المبادرة إلى تصحيح الخلل أو الخطأ قبل فوات الأوان وترسخ هذا الواقع الذي لا ينسجم مع مقتضيات وضرورات العيش المشترك والتوازن الوطني …
هذا غيض من فيض مما يختلج في نفوس اللبنانيين ويثير اشمئزازهم والكثير من التساؤلات والانتقادات . وهم كانوا يأملون ويتوقعون ان تعمل حكومة الوحدة الوطنية على تصحيح المسار وتقويم الاعوجاج والتخفيف من المعاناة وتحسين الاحوال ، ولكن لم يحصل شيء من ذلك ، فغرقت الحكومة في دوامة الخلافات والصراعات السياسية وتحولت عملياً إلى حكومة تصريف اعمال وأصبحت حكومة معطلة ومتوقفة عن العمل بسبب مسألة المحكمة الدولية و شهود الزور وربط كل وضع الحكومة وعملها ببت هذه الامور أولاً…
قد يكون الانجاز الابرز للحكومة تحقق على صعيد علاقات لبنان الدولية التي توسعت ونمت بفعل تحركات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الخارجية ، على صعيد تأكيد حضور لبنان ودوره في المحافل والمنتديات الدولية لكن هذا ومع تقديرنا لهذه الجهود لا تشبع المواطن ولا تحل له مشاكله المالية والاقتصادية … أما أهم ما حققته في الداخل فكان الانجاز السياسي المتمثل في صمود الحكومة وثباتها واستمرارها رغم ما عصف بها من خلافات وما تعرضت له من ضغوط ومضايقات وهذا يعود الفضل فيه إلى التفاهم السعودي – السوري الذي لولاه لكانت البلاد اليوم في حال من الفوضى العارمة.
ورغم هشاشة الوضع وتفاقم أزمة المحكمة الدولية ، ظلت الحكومة متماسكة ولم تنفجر من الداخل . وهذا في حد ذاته مؤشر مطمئن إلى ان الوضع تحكمه ضوابط وخطوط منها الاستقرار السياسي واستمرار حكومة الوحدة الوطنية التي اذا انهارت سيكون من الصعب جداً تشكيل حكومة أخرى تتمتع بشروطها وتوازناتها.
فلماذا تكرار تجارب فاشلة ومضنية ؟! ولماذا الوقوع في فخ الانقسام والفراغ والفوضى من جديد؟! ولماذا لا نسعى إلى خدمة هؤلاء المواطنين المساكين ؟!