لو لم يكن الامر متصلا بعملية التهيئة لمشهد متخندق تعلوه المتاريس النفسية التي هي اخطر من متاريس القتال في الشوارع، لكانت العودة الى الكتب والوثائق والمحاضر والاسرار المكتوبة من كل حدب وصوب "معركة حميدة" على ضفاف "الحوارات" اللبنانية.
يحلو لأهل القلم فعلا ان يشعروا بالزهو حين يعود "عظماء" العالم، الى البوح المكتوب، كما حين تصبح الكتب والمقالات مادة الاستناد الى الحجج والاسانيد والنقاش، ناهيك بالكثير الكثير من المتوافر في بطون المحاضر والوثائق في قديمها والجديد. فليس ادل على رسوخ مملكة المكتوب وصمودها امام الزحف المرئي والالكتروني المعولم الجارف معه كل "القديم"، من "وثائق ويكيليكس" التي لو لم تكن موثقة كتابة لما شق هذا الموقع مكانته البراقة اللامعة الى صدارة حدث اعلامي أممي مبهر كهذا.
حتى عندنا، لكان للامر دلالة شديدة الاهمية على بلوغنا سن النضج الفكري لو وضع الساسة كل الحقبة الممتدة من الطائف الى اليوم على مشرحة حوار حقيقي لا تستحضر فيه المواثيق والمحاضر والكتب في التحشيد الآحادي، من هنا وهناك. لكان عندذاك للمكتوب والموثق مكانة حاسمة فعلا في صوغ ميثاق حياة اخرى وعالم آخر لهذا البلد الذي كتب له وعليه قدر الارهاق الدائم بانصاف الحقائق واجزاء التاريخ لئلا نقول فضلاته.
غير ان اسبوعا واحدا فقط ما بين خميس وخميس من الاسبوعين الماضيين، رسم الفارق الهائل بين ركون الى المكتوب وتوسل للمحاضر على سبيل "الحوار" او على سبيل "التحشيد" القتالي.
المقصود بذلك انه ما بين "جلسة الحوار" التي قاطعها نصفها وخطاب السيد حسن نصر الله وتداعياته، اندفعت على سطح الازمة ظاهرة العودة الى الوراء بقوة مخيفة ومريعة. لماذا؟
لان كل ما طاف على سطح الازمة ينذر تكرارا بان لبنان يعيش حربا "محققة" في النفوس، ولا "حاجة" به الى مزيد من الخوف من حرب في الشوارع. لا ترتفع شعارات "ميثاقية" مزعومة في لبنان في غير اوانها الموضوعي الصحيح الا وتكون البلاد على مشارف شرور مستطيرة.
بين "طائف – 2" و"دوحة – 2"، ايحاء او انكارا، اثباتا او نفياً، الامر يدلل على تسلل الازمة الى ركائز السلم لا اكثر ولا اقل.
وبين ارتكاز الى وقائع معينة من السبعينات ولتثبيت نهج سياسي وامني ومواجهتها بوقائع مضادة لتسفيه هذا النهج، الامر لا يدلل الا على الفشل المحقق في صياغة شرعة مشتركة للدولة، لا اكثر ولا اقل.
وبين ربط للقرار الظني بالحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006 من باب التدليل على ان "الشريك" اللبناني هو الخصم الاعتى من العدو الاسرائيلي، ورد للربط بالتدليل على ان الشريك الرابط يمضي في نهجه الانقلابي على الدولة والخصوم السياسيين، الامر لا يعني سوى ربط الاحزمة وشدها خشية الاعظم.
لا مكان في كل هذه الحوربة لنقاش حقيقي بحيث يفتقد لبنان اقل المعايير الموضوعية لمقاربة حقبات الماضي من باب صياغة ثابتة وموثوقة للحاضر والمستقبل، لكان حدثا سارا لو جرى ويجري نقاش في "الكتب" و"المحاضر" و"الوثائق" حتى بحماوة المهاجمين والمدافعين، وانما بقصد آخر غير الذي برز على السطح في ذاك الاسبوع – العينة. لكن المخيف هو ان شيئا آخر لم يبق غير الشحن والتحشيد وتراكم الحقد والتخوين والحط من المكانات والمقامات والهبوط المريع في السجالات الجارفة لمجمل هذا السطح وهذا القعر سواء بسواء. فكيف لا نخشى حربا وهي مندلعة بكل هذا "العزم"؟