#adsense

كيف نواجه تداعيات القرار و… التخوين؟!

حجم الخط

على طريقة <كم شجرة عاجقين الكون>، ما زالت بعض الأطراف السياسية في لبنان تتصرف وكأن العالم بأجمعه رهن بنانها، أو كأن عواصم القرار الدولي تخاف غضبها وردات الفعل الصادرة عنها، في حال أصرّت تلك العواصم على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية·

صحيح أن بعض عواصم القرار الدولي، وخاصة واشنطن، تكيل بمكيالين في تعاطيها مع القضايا العربية، وخاصة ما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، ومتفرعاته المختلفة·

وصحيح أن بعض القرارات الدولية تحمل الكثير من الظلامة لشعوب العالم الثالث، ولبنان في طليعتهم، ولا تأخذ بعين الاعتبار دائماً مصالح وحساسيات الشعوب المغلوبة على أمرها·

ولكن الأصح أيضاً أن لبنان، وأمثاله من دول التخلف والانقسامات الداخلية، لا يستطيع أن يتصدى لتحديات القرارات الدولية وجبهته الداخلية على هذه الحال من الاهتزاز والتشرذم، لأن ألفباء المواجهة مع المخططات الخارجية والتصدي للرياح المقبلة من الحدود البعيدة، يتطلب أولاً وقبل كل شيء جبهة داخلية متراصة، ورؤية وطنية موحدة للأخطار المحدقة بالبلد من كل حدب وصوب!·

فكيف يستطيع الوطن الصغير الخروج من المأزق الحالي طالما بقيت جبهته الداخلية على ما هي عليه من الخلافات والصراعات المهددة بإمكانية إشعال الحروب الأهلية في أية لحظة؟!·

* * *

لم يعد خافياً على أحد أن عمل المحكمة الدولية يتجاوز قدرة الوطن الصغير على تعطيله، وأثبتت الاتصالات الناشطة في أكثر من اتجاه، أن قرار إنشاء المحكمة والاستمرار في المهمات المنوطة بها يتجاوز الرغبات الدبلوماسية المتداولة في بعض العواصم العربية والإقليمية المطالبة بإسقاط خيار العدالة الدولية، والتراجع عن تأييد استمرار هذه المحكمة·

كما ثبت لجميع الأطراف المعنية، في لبنان كما في الإقليم، أن إلغاء صدور القرار الظني يعتبر من رابع المستحيلات، وان الواقعية السياسية تفرض على الجميع الاستعداد منذ الآن لمواجهة تداعيات مضمون هذا القرار فور صدوره، من خلال التحاور والتشاور بين الأفرقاء اللبنانيين من جهة، ومع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية أيضاً، للحد من محاولات استغلال القرار العتيد للإيقاع بين اللبنانيين، أو استهداف بعضهم على الأقل، ولا سيما <حزب الله>·

لا تكفي الخطابات النارية، ولا عبارات التهويل والتخوين، ولا حتى إشارات التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، لرد الأخطار التي تُهدّد الأمن والاستقرار وصيغة العيش المشترك بين أبناء الوطن المعذب·

بل العكس هو الصحيح!·

لأن الاستمرار باعتماد لغة التهويل والتخوين والتهديد، من شأنه أن يزيد الوضع الداخلي تعقيداً من جهة، ويُفسح المجال أمام التدخلات الخارجية بحجة معالجة التناقضات اللبنانية من جهة أخرى!·

في حين أن المطلوب، وبكل بساطة، هو الجلوس معاً للحوار وتبادل الأفكار حول الصيغة الخلاقة القادرة على تجاوز المطبات الحالية، وإيصال البلاد والعباد إلى شاطئ الأمان والاستقرار، بعد هذه العواصف الهوجاء من القلق والخوف على الغد والمصير·

* * *

لقد آن الأوان، ليدرك كل لبناني، يتمتع بحد أدنى من الحكمة والشجاعة، أن المعادلة الوطنية في بلد الطوائف والتعددية، لا تحتمل الشطط ولا المغالاة، سواء في المواقف السياسية، أم في الطروحات الوطنية· وأن وضع السيف في موضع الفكر والعقل هو أشبه بوضع العربة قبل الحصان، وهو في كل الحالات يعني خروجاً على أسس الوفاق والعيش المشترك التي ارتضاها اللبنانيون، وكرّسها دستور الطائف، الذي طوى صفحة الحرب العبثية التي لم يخرج منها أحد منتصراً·

أما اللجوء إلى لغة التخوين واستسهال استعمال تهم الخيانة، كلما <دق الكوز بالجرة>، أو كلما انحشر فريق في موقف ما، فهي مسألة في منتهى الخطورة، وشديدة الضرر بأصحابها قبل الآخرين و <المتهمين> لأنها تضرب عوامل الثقة الواجب توفرها في أية صيغة تعاون أو عيش مشترك بين اللبنانيين، فضلاً عن أن هذه الأساليب تكشف حجم التناقض الذي يعيشه اصحابها في عملهم السياسي اليومي، حيث انهم يُقبلون على التعاون مع من يتهمونهم بالخيانة، وكأن مثل هذه التهم النكراء يمكن القفز فوقها كلما دعت الضرورات··!·

وكلام السيّد حسن نصر الله حول ما جرى إبان حرب تموز 2006، وتوجيهه أصابع الاتهام لرئيس الحكومة يومذاك فؤاد السنيورة وبعض الوزراء، هو ليس الأوّل من نوعه، وقد لا يكون الأخير· ولكن في مطلق الأحوال لا يجوز أن يبقى مثل هذا الكلام الكبير والخطير يدور في حلقة السجالات والاتهامات الغامضة، من دون اعتماد الأساليب والوسائل التي تدحضه وتُلغيه من خطب المناسبات، أو تثبته، لا سمح الله، بما يحقق الشك باليقين·

ومسألة بمثل هذه الخطورة لا تحتمل التأجيل والتسويف وإذا كان السيّد نصر الله قد اكتفى في كل مرّة، بالكلام من دون الخوض بالوثائق والإثباتات، فان الرئيس فؤاد السنيورة، بما عُرف عنه كرجل دولة يتمتع بالشجاعة في تحمل مسؤولياته، مطالب اليوم قبل الغد بنشر محاضر جلسات مجلس الوزراء وما يراه مناسباً من محاضر المحادثات الدبلوماسية التي دارت مع مسؤولين عرب وأجانب إبان حرب تموز، ليضع الحقائق أمام اللبنانيين، كل اللبنانيين، وأمام كل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا في تلك الايام الصعبة إلى جانب لبنان، وأبدوا إعجابهم بأداء السنيورة وحكومته، التي أطلق عليها الرئيس نبيه بري، بكل موضوعية، لقب <حكومة المقاومة>·

الرئيس فؤاد السنيورة لا يحتاج إلى أن يدافع عن نفسه أمام مثل هذه التهمة الخرقاء، وهو صاحب التاريخ الوطني والقومي الناصع منذ بداياته مع حركة القومية العربية في أواخر الخمسينات، والذي تمسك بالبوصلة العربية القومية حتى في ذروة الخلاف مع الشقيقة سوريا·

ولكن اللبنانيين تعبوا من أساليب التهويل والتخوين، ومن حقهم أن يطالبوا بحسم هذه المحاولات بما يضع حداً نهائياً لهذا المستوى من التراشق والتخاطب بين قيادات البلد، حتى يتفرغ الجميع لمواجهة مرحلة ما بعد القرار الاتهامي الدولي!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل