أخطر من الجهلة… أنصاف الجهلة
أمين جرجس
الجاهل يعلم، أو لا يعلم أحياناً بأنه جاهل، فيتكلم بموضوع ما بالحد الأدنى كي لا يفضح جهله. فهو إذا كان يعلم بجهله لا يتكلم أبداً، وإذا كان لا يعلم بجهله لن يكون لديه أصلاً ما يقوله فهو جاهل وليـس لديه معلومات عن الموضوع… أي موضوع.
أما الأخطر من الجاهل، فهو نصف الجاهل. أي الذي يعلم شـيئاً قليلاً جداً عن موضوع ما، ومعلوماته القليلة غالباً ما تكون من نوع (قالوا له، قالولوا يعني) إذ أنه لو قرأ عن الموضوع لكان كوّن فكرة عنه أو اسـتفاض بالقراءة ليكون عِلمَه بالشـيء وافياً للكلام فيه.
لذلك، نصف الجاهل الذي يعلم قليلاً جداً يحاول أن يدعي المعرفة الكاملة بالشـيء، وهنا الطامة الكبرى، فيخبّص ويزيد الطين بلّة، ظاناً منه أن من يسـمعه مقتنعاً بكلامه الذي هو أصلاً غير مقتنع به.
وهذه حال حسـن نصر اللـه على ما يبدو، فهو عند كل إطلالة يعطينا معلومة جديدة، يكون أحد ما قالها له، ويسـتفيض بتحليلها وعندما يصل إلى طريق مسـدود لجهله بالتفاصيل، يقول عندي معلومات وتسـجيلات، أبرزها لاحقاً. وهذه اللاحقاً لم تأت بعد ولن تأتي على ما يبدو إذ أن العالمين بالشـيء سـرعان ما يفضحون جهل حسـن نصر اللـه تماماً كما صار، على سـبيل المثال لا الحصر، في إطلالته الأخيرة، إذ سـرعان ما سـمعنا وقرأنا ردوداً فضحت جهل حسـن التام بما كان يقوله حين أخذ يقرأ من مذكرات هنري كسـنجر في محاولة لتدعيم نظريته حول دور الأميركيين وسـياستهم في الإسـاءة للبنان وللمسـيحيين فيه… هذا ما قالوه له وهو جاهل تماماً أن ما قالوه له هو رد إفتراضي لكسـنجر تخيله صحافي في مجلة الحوادث سـنة 1976 رداً على رسـالة كان وجهها العميد ريمون إده لهنري كسـنجر. فلو كلّف السيد نصراللـه نفسـه وطلب الإطّلاع على ما قالوه له، قبل أن يباشـر بخطبته، لما كان قال ما قال وفضح جهله وعدم معرفته بما هو متكلم عنه.
حادثة أخرى أذكرها، أيضاً على سـبيل المثال لا الحصر، حرب تموز عام 2006. بغض النظر عن العنتريات والإنتصارات الوهمية، أتحفنا نصرالله بعد نهاية الحرب بجملته التي دخل بها التاريخ: لو كنت أعلم… وعبارة لو كنت أعلم تعني بأني كنت أجهل. لذلك، وبعد أن قالوا له ان إسـرائيل لن تتجرأ على خوض حرب ضد لبنان لأنها تعرف ما عند حزب اللـه من سـلاح، حاول أن يظهر بمظهر البطل، فقاموا جماعته بخطف الجنديين الإسـرائيليين، وكان ما كان….. يعني لو تأكد حسـن نصراللـه يومها من أن إسـرائيل قد ترد على أي عملية عسـكرية بحرب ضروس، لما كان جرى ما جرى.
وعلى فكرة، اسـتراتيجية حزب اللـه العسـكرية والتي طرحها يومها على طاولة الحوار كانت قائمة على نقطتين: الأولى تقول إن اسـرائيل تعلم ما لدى "حزب اللـه" من سـلاح وعتاد و… لذلك لن تتجرأ على خوض حرب ضدنا. والثانية تقول إن إذا إسـرائيل تجرأت وخاضت الحرب، فهي لن تكون ضد كل لبنان إنما فقط ضد حزباللـه. فلا الأولى ظبطت ولا الثانية.
ولذلك، إلى الآن، حزب اللـه لم يقدم أي اسـتراتيجية دفاعية مجدداً، إذ أنه ليـس لديهم شـيء ضد إسـرائيل، إنما كل اسـتراتيجياتهم موجهة ضد المؤسـسات الرسـمية اللبنانية. وإلا فليُتحِفونا باسـتراتيجيتهم ضد إسـرائيل يعني، الجهل بالشـيء والصمت، أفضل بكثير من أن يعرف المرء قليلاً ويدّعي المعرفة الكاملة، ثم يحاول إقناع العلماء ببعض من العلم الذي قالوه له
ثم، وللتذكير فقط، إذ أن على ما يبدو، ذاكرة نصرالله بدأت تخونه. في بداية حرب تموز، أعلن حسـن ما يريده من اللبنانيين يومها حين قال: نحن نتكفل بالحرب أما أنتم فلا تتكلموا ضدنا. وكل المسـؤولين يومها فعلاً التزموا أدبياً وأخلاقياً لكي لا تزيد الطين بلّة غير بلوة الحرب. وقبل أن تتوقف الحرب ويعلن حسـن نصراللـه انتصاره (لول) كان خطابه: من يحب لبنان يسـعى إلى إيقاف الحرب. وكل كلامه موثّق فلا داعي لإنكاره. وفي خطابه الأخير حاول، ونتمنى أن تكون آخر محاولة، أن يخوّن حكومة الرئيـس السـنيورة التي لقّبها حليفه رئيس "حركة أمل" بحكومة المقاومة.ز
أكذب، أكذب.. واكذب أكثر، قد يصدّقك الناس يوماً… هل هذا هو شـعار حزب اللـه اليوم؟!