#adsense

هل يستطيع رئيس الجمهورية إصلاح ما أفسده الدهر؟

حجم الخط

"من أين لكم هذا؟" سؤال بلا جواب منذ عام 1953
هل يستطيع رئيس الجمهورية إصلاح ما أفسده الدهر؟

الكلام على الفساد والفاسدين والمفسدين بات موسمياً وفي كل عهد، لكن هذا الكلام يبقى كلاماً… وإن كان قد تحوّل اليوم اتهامات عشوائية تطلق بدون أدلة، وهو ما لم يكن يحصل في الماضي، لأن النواب كانوا يتحاشون اتهام أحد من دون دليل وإلا واجهوا القضاء، بل كان اتهامهم يبدأ بسؤال أو استجواب يوجه الى الحكومة ثم الى طلب تأليف لجنة تحقيق برلمانية تنتهي بإدانة مَن يستحق الادانة، وهو ما كان يفعله بصورة خاصة العميد ريمون إده، المعروف بدقته في إعداد ملفاته إعداداً جيداً، حتى إذا قال لفلان أنت سارق قدم البراهين والأدلة، وليس كما هو حاصل اليوم من كلام وإطلاق الاتهامات جزافاً ليس من مجلس النواب بل من المحطات الاذاعية والتلفزيونية لإسماع الصوت فقط أو بقصد التضليل والتشويش.

لقد صدر المرسوم الاشتراعي الرقم 38 في شباط 1953 المعروف بقانون "من أين لك هذا" لكنه ظل بدون تطبيق دقيق، لأن تطبيقه مرعب… ورغم الطلب من الرؤساء والوزراء والنواب وكبار الموظفين وكل قائم بخدمة عامة ان يقدموا تصاريح بأموالهم المنقولة وغير المنقولة، فإن بعضهم يدخل الحكومة أو مجلس النواب بسيارة من طراز قديم ويخرج بسيارات من طراز حديث، ويأتي من منزل متواضع ويعود الى فيلات وقصور أو يصير صاحب شركات أو شريكاً فيها ويتحدى من يتهمه بالإثراء غير المشروع بأنه مستعد للكشف عن حساباته، وهو يعلم أنها خاضعة للسرية المصرفية ليس في لبنان فحسب، بل في الخارج ايضاً، كما انه يتحدى بالقول انه مستعد لطلب رفع الحصانة عنه كي يحاسب، وينتهي السجال بين المتهَم (بفتح الهاء) والمتهِم (بكسر الهاء) ببقاء كل شيء على حاله، لأن الفساد هو الأقوى من كل شيء ووحده صامد في لبنان…

ويذكر انه في العام 1953 فاحت روائح الفساد والرشوة والاموال المختلسة في معظم الوزارات، الامر الذي حدا بـ"الجبهة الاشتراكية الوطنية" المؤلفة من: كميل شمعون، اميل البستاني، كمال جنبلاط، غسان تويني، بيار إده، عبد الله الحاج وديكران توسباط الى تقديم مشروع قانون الاثراء غير المشروع، وعند صدوره أذيع مضمونه من محطة الاذاعة اللبنانية التي لم تكن هناك محطة سواها، وأنصت اليها الناس وكأنهم ينصتون الى بلاغ رقم واحد يصدر عن قيادة الانقلابات العسكرية. وفي هذا القانون بنود تعيد المال المسلوب وتحاسب كل من عبث بأموال الشعب ومعاقبة كل من أثرى إثراء غير مشروع، ومع ذلك، استمر إهدار الاموال العمومية وتفاقم الفساد، لأن كل مرتكب استطاع أن ينفد بريشه، فلا عقاب ولا محاسبة وهذا ما جعل لبنان يحل في المرتبة 130 في تقرير هيئة "الشفافية ومكافحة الفساد الدولية" لعام 2009، وذلك بسبب ضعف أجهزة المكافحة والبطء الشديد في العمل القضائي، وأخذ الناس بعد ذلك يسمعون بـ"قانون من أين لك هذا"، ويسمعون فقط تصريحات تصدر عن مسؤولين من حين الى آخر تصف الفساد السياسي بأنه داء أكبر من الفساد الاداري وان استمرار غرق لبنان في وحول الفساد مرتبط بما يدره هذا الفساد على جزء من مكونات السلطة والفئات التي ترتبط بها من منافع بحيث أن الدولة تهدر ما يقارب المليار ونصف المليار دولار سنوياً كنتيجة للفساد المعمم على الصعد الحكومية كافة، والقول ان فاتورة الفساد تعوّق التنمية المستدامة والانماء المتوازن، ثم المطالبة بأن تضطلع بمكافحة الفساد مرجعيات مسؤولة بعدما بلغت كلفة الفساد نحو ثلاثة ملايين دولار يومياً… أو المطالبة برفع السرية المصرفية عن أموال كل مسؤول وكل شخص عند دخوله النادي السياسي، لأنها الطريقة الناجعة لمكافحة الفساد، وليس بتقديم تصاريح بممتلكات وأموال منقولة وغير منقولة ضمن ظرف مختوم لم يفتح ولا مرة لمعرفة ما اذا كانت هذه الاموال والممتلكات زادت أو نقصت… ولا تم حتى تشكيل لجان تحقيق برلمانية للنظر في شكاوى الفساد ولا أقر المشروع الذي تقدمت به حكومة الرئيس فؤاد السنيورة للتدقيق في حسابات كل الوزارات والادارات العامة منذ العام 1992 وتكليف شركات عالمية متخصصة لهذه الغاية، فظل الكلام على الفساد مادة للمتاجرة السياسية وللمزايدات…

الواقع ان العلة الاكبر من الفساد هي في عدم المحاسبة سواء بتطبيق قانون من اين لك هذا، أو برفع السرية المصرفية عن كل مرتكب أو تشكيل لجنة تحقيق دائمة، فلا تظل عملية الاصلاح مجرد "اسطوانة" تدار في كل عهد ومكافحة الفساد "همروجة" موسمية تجعل المكافحة تصيب النظافة، والنظيفين ولا تأبه لما حذر منه رئيس البنك الدولي قبل سنوات بوصفه لبنان بـ"السفينة المثقوبة" التي ينبغي العمل على سد ثقوبها وإلا تعرضت للغرق. فكانت النتيجة ان زادت الثقوب فيها… حتى ان صندوق النقد الدولي لا يعطي قروضاً لأنظمة منخورة بالفساد اذا لم تصحح مسارها الاقتصادي ولم تقضِ على الفساد، أو إذا استمرت الاختلاسات والرشى لا لشيء سوى أن تركيبة لبنان المذهبية الدقيقة لا تتحمل ذيول فتح ملفات قد تطاول رؤوساً لا تحميها مواقعها فحسب بل مراكزها السياسية والحزبية والمذهبية. فكان ان غطى كل عهد أخطاء وارتكابات العهد الذي سبقه، فشجع ذلك على الفساد وعلى الاهدار في الانفاق، وما دام لا أحد يحاسب أحداً وما دام كل عهد لا يفتح ملفات عهد سابق بل يعتمد سياسة "عفا الله عما مضى" فإن الفاسدين والمختلسين يعودون بعد خروجهم من الحكم، أو من موقعهم المسؤول مكرمين ومطمئنين ولا يخافون فتح ملفاتهم لمقاضاتهم أمام المحاكم كما يحصل في الدول الراقية والمتحضرة التي يحاسب فيها الفاسد والمختلس والمرتشي ولو بعد سنين.

فالعيب اذاً ليس في حصول فساد أو اختلاس وهذا يحصل في كثير من الدول، إنما العيب هو في عدم المحاسبة، لأن هذه المحاسبة قد تفتح في لبنان أزمة سياسية ومذهبية حادة يصعب الخروج منها، وهو ما جعل كل ملف عن فضيحة يُفتح ثم يُغلق…

والاصلاح الذي بات "أنشودة" كل عهد، ظل شعاراً ولم يتحول قراراً، ويضيع في السجال حول أن يكون الاصلاح الاداري قبل الاصلاح السياسي أم يكون الاصلاح السياسي هو المدخل للاصلاح الاداري، وهذا السجال يؤكد انه لا يمكن أن تكون في لبنان ادارة مدنية سليمة في ظل نظام سياسي غير سليم وطائفية مقيتة مستشرية وشرسة… فعملية اصلاح ناجحة لن تحقق اذا لم تقم على قواعد قانونية ومعايير اخلاقية الى جانب معايير الكفاية والجدارة، بل تظل عملية فاشلة أشبه بالخلايا السرطانية التي تفتك بجسم الدولة. فمنذ عهد بني عثمان الى عهد الاستقلال الى يومنا هذا، كان الاصلاح ومكافحة الفساد أشبه بذاك الاعرابي الذي طلب من خادمه ان يمسح الغبار عن المقاعد وإذ بما يمسح به أقذر مما يمسح"… وهذا ما جعل السؤال: "من أين لك هذا"منذ 1953 الى اليوم بلا جواب… فهل يستطيع الرئيس سليمان اصلاح ما افسده الدهر والحصول على جواب عن هذا السؤال المزمن؟…

المصدر:
النهار

خبر عاجل