من أخطر ما تتعرض له الحياة السياسية، على ضحالتها، والرأي العام، المتميز بالقلق اليومي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هو الشعبوية.
فاللبنانيون الذين يعانون "ماكارثية" (نسبة الى السناتور جوزف رايموند ماكارثي الذي أطلق مايسمي "مطاردة السحرة" التي استهدفت شخصيات أميركية اتهمها باعتناق الشيوعية وتعرضت لاضطهاد سياسي اجتماعي اضطر كثيرين منها الى الهجرة أو الاختباء) التخوين والعمالة التي يعممها "حزب الله" نهجاً في التعامل مع نصفهم، إن لم يكن أكثر، يتعرضون مجدداً لشعبوية أخطر منها، (والاولى نمط من الثانية) تجعل المغالطات حقائق، وتعمق عداوات داخلية لن تكون آثارها محصورة في اليوم الراهن، وتحاول اغتيال العقل بتركيب وقائع لم تكن في ماض ولا في راهن.
الشعبوي، في كل زمان، هو شخص له جماهير عريضة تنتظر كلامه وإشاراته. تصدقه سلفاً. يقول لها ما تريد سماعه، تنتظر كلامه، تحليلاته وإشاراته. يبيعها الأحلام، ويصور لها أنها قاب قوسين أو أدنى من الانتصار وان الأعداء عند حافة الهزيمة أو الانهيار، وأنها هي الملائكة والأصدق والأشرف وأن خصومهم هم الشياطين.
لا تعف الشعبوية عن تحريف وقائع صنعتها بنفسها، ولا عن زعم تمنع لم تنتهجه، ولا تترفع عن السطحية والشعارات التحشيدية والصراخ العالي، والتهديد بالويل، دماراً ودما وفتنة، متوارية خلف إصبع يرتفع كلما احتاجت الصدقية المفترضة إلى دعم.
يزداد الخوف على الديموقراطية كلما زاد النفس الشعبوي في تصعيده: حيناً يستخدم دور الضحية، وحيناً يتذكر قوة منحولة وينحو أكثر الأحيان نحو التطرف في الموقف، واللاتسامح مع الخصم ورفض الآخر (في الشأن الداخلي).
تستعين الشعبوية بالغيبي والعاطفي بديلاً من البرهنة والعقل، ويدعي صاحبها التماهي مع جمهوره لسد نوافذ عقولهم على الأفكار المناقضة لرؤيته.
يمهد للشعبوية، عادة، زعم القداسة لحاملها، بالترهيب من جهة، والسمات الكاريزمية، دينية ومدنية، من جهة أخرى.
يرفد ذلك إعلام يتبع المنطق نفسه، سطحية وإدعاءات وقلب حقائق، عمودياً وقطعياً: الخير عندنا ومنا، والشرّ فيكم ومنكم. لا مكان للمحاججة ولا حاجة إلى إثبات، وإن ألح متسائل لا مانع من استقطاع فقرة من نص والاستشهاد بها، أو تركيب صورة.
الى تشويه الخصم وتتفيهه، يستعين الشعبوي بالاوهام يبيعها من ناسه. فالنصر آت لا محالة، والخصم منهزم بالتأكيد. والأمر، أساسا، يحتاج الى ثوب منقذ، وشعب مطواع يسهل استنفار غضبه: يذكر التاريخ اقتراح رئيس الاكوادور (اللبناني الأصل 1996 – 1997) تشكيل حكومة من الفقراء فيما هو كان محاطا بأكبر أثرياء البلاد. وفي فنزويلا، وهي أكثر بلدان العالم فسادا وحيث تستشري الرشوة، يستخدم تشافيز الريع النفطي لشراء الذمم في الداخل وتعزيز النفوذ في المحيط اللاتيني الأميركي وفي تصدير "الثورة البوليفارية" التي يدعي الاستناد اليها. وتشافيز خطيب مفوّه، لا يمل الكلام، إلى حد أن الملك الإسباني خوان كارلوس المعروف بأدبه الجم صرخ في وجهه في اجتماع علني "أليس بمقدورك أن تصمت؟". ولتشافيز برنامج أسبوعي مفتوح في التلفزيون الفنزويلي قد يصل أحيانا إلى سبع ساعات متواصلة من الحديث، وقد كشفت دراسة منشورة عام 2008 أن الرجل خصص 2544 ساعة منذ وصوله الى السلطة للحديث في وسائل الإعلام السمعية البصرية، أي ما قدره 318 يوما من أيام العمل، ما تجاوز كل الأرقام القياسية منذ ظهور الأجهزة الإذاعية. وإذا كانت الخطابة ليست خاصية للزعماء الشعبويين وحدهم، فبعض الحكام الديموقراطيين العقلانيين عرفوا أيضا بالبلاغة وجمالية التعبير كما هو شأن ابرهام لينكولن في أميركا و الجنرال ديغول في فرنسا، إلا أن دور الخطابة هنا هو التأجيج العاطفي والتعبئة الشعاراتية لتمويه الإشكالات القائمة وصرف النظر عن التحديات الحقيقية المسكوت عنها، ولا سيما التقدم الاجتماعي والاقتصادي وآقاق العلم والمعرفة.
ذلك يعيد النقاش الى ما يشهده لبنان ويذكر به. فالظاهرة المرضية هي نفسها ولو تبدل الزمان وتغيرت الجغرافية.